الخرافة في المسلسلات التونسية.. بين الإفادة والإفلاس

"جنون القايلة" أتت حكاية أشبه بسلسلة "هاري بوتر" مُشوقة في حبكتها الدرامية ومُبهرة في طرحها الإخراجي المعاصر.
السبت 2020/09/19
"جنون القايلة" تفوّق على "حكايات العروي" بأشواط

على امتداد البرمجة الصيفية، التي شارفت على الانتهاء، عوّدت القناة التونسية “الوطينة 1” مُتابعيها على إعادة بثّ بعض المسلسلات والسيتكومات والروايات التي أنتجتها سابقا، علّها تستطيع التسلية عن المشاهد التونسي في الأشهر الأقل إنتاجا ومتابعة، فهل حقّقت الإعادات أهدافها؟

يُتابع المشاهد التونسي في كل يوم أحد إحدى حكايات الحكواتي والصحافي التونسي الراحل عبدالعزيز العروي (1895 – 1971) على القناة الوطنية الأولى (عمومية)، وذلك ضمن إستراتيجية تعوّدتها القناة خلال فصل الصيف لملء الفراغ الذي تتركه البرمجة الشتوية التي تمتدّ من شهر أكتوبر حتى شهر يونيو من كل عام، في محاولة منها لجمع شمل العائلة التونسية على طبق فرجوي يمزج التسلية بالإفادة.

حكايات من التراث اللامادي أبدع في سردها العروي على أمواج الأثير باللهجة التونسية الأصيلة، لتقدّم الحكمة والموعظة للفئات الشعبية المهمّشة في زمن بناء الدولة الوطنية، الأمر الذي جعل رواياته وأسماره حديث الشارع التونسي وبوّأه مكانة الناصح الذي تعلّقت همم الناس به إلى الحد الذي حدا ببعض المُتخاصمين للاحتكام إلى رأيه بقولهم “اشكي للعروي”.

هذه الحكايات الشفوية التي حفظها العروي من الاندثار والطمس بفعل الزمن تم توثيقها بصريا في مرحلتين مُتباعدتين من قبل مؤسّسة التلفزة التونسية (منتجة السلسلة)، الأولى كانت بإمضاء الراحل سالم الصيادي كتابة وإخراجا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، والتي أتت في غالبيتها بالأبيض والأسود، في حين تصدّى لإخراج النسخة الثانية منها الراحل الحبيب الجمني مع بداية القرن الحادي والعشرين.

“نعيمة ونعيم”، “صنعة بوه لا يعايروه”، “الجريّدة والعصفور”، “دفع الله ما كان أعظم”، “الي باع والديه”، “عز نفسك تصيبها”، “عوج الدنيا” و”تاج الأقمار” وغيرها من الروايات التي حفظها المُشاهد التونسي عن ظهر قلب، باتت الأمهات يحكينها لأبنائهن أو يحثُثنهم على مشاهدتها متى تمّ عرضها على “الوطنية 1″، نتيجة ما تضمنه للعائلة من تسلية وموعظة في الآن ذاته.

ومع ذلك يظل السؤال الأهم الآن وهنا، هل تُحقّق مثل هذه الحكايات المتعة والإفادة لأطفال الألفية الثالثة الذين خبروا التكنولوجيات المتطوّرة وتفوّقوا فيها؟ كما تشبّعت أبصارهم بأفلام عالمية تنحو المنحى الغرائبي ذاته، لكن بتقنيات سينمائية ضخمة مُبهرة للكبار قبل الصغار على غرار سلسلتَيْ “هاري بوتر” و”سيد الخواتم” وغيرهما من أفلام الإثارة الممزوجة بالخرافة والخيال العلمي.

يبدو أن النتائج باتت تأتي عكس المنتظر وفق أعين حالمة ومتمرّدة لا تُؤمن بتاتا بالخرافة والصدفة التي تجعل فقيرا معدما يتزوّج من بنت السلطان، أو ساحرا شريرا ينقلب عليه السحر ليغدو ملعونا، وغير ذلك من حكايات العروي التي تدور غالبيتها في فلك هاتين الثيمتين، لا أكثر.

وربما زاد التعامل الساذج مع بعض المشاهد التي تم تناولها بصريا من غربة طفل اليوم عن حكايات العروي، الأمر الذي جعل بعضهم يسخر في أكثر من مناسبة من بعض اللقطات والمواقف التي تضمنتها الحكايات، كتحوّل رجل إلى عصفور طائر وفق إخراج رديء ومترهّل، ليبدو لهم المشهد غريبا عن عالمهم الحركي المليء بالمتغيّرات صورة وصوتا، وهم يداعبون لوحاتهم الإلكترونية التي تحملهم إلى عالم من الخيال والسحر بضغطة زر.

بالتوازي مع هذا المنقلب تحضر في الجهة المُوازية تجربة درامية رائدة عبر سلسلة “جنون القايلة” (عفاريت الظهيرة)، التي تمّت إعادة بثّها أيضا على “الوطنية 1” خلال موسم البرمجة الصيفية الذي ينتهي مع بداية شهر أكتوبر القادم.

"جنون القايلة" خرافة تونسية بمعايير عالمية
"جنون القايلة" خرافة تونسية بمعايير عالمية

مسلسل من جزأين تميّز في إخراجه التونسي الشاب أمين شيبوب عن سيناريو لسامية عمامي وعزة السعدي، وفق مؤثرات بصرية متطوّرة تتوافق مع تطلعات طفل القرن الحادي والعشرين.

أمين شيبوب قدّم السلسلة التي تستند بدورها إلى الخرافة بشكل مُغاير، تماما، شكلا ومضمونا لما جاء في “حكايات العروي”، ليُنتج حكاية أشبه بسلسلة “هاري بوتر” مُشوقة في حبكتها الدرامية ومُبهرة في طرحها الإخراجي المعاصر، معتمدا على آخر ما أفرزته المؤثرات السينمائية العالمية كالليزر والغرافيك وغيرهما من التكنولوجيات البصرية المتطوّرة.

فأتت الحكاية بمذاق تونسي صرف ينهل من السجل الشفوي الشعبي دون السقوط في إعلاء قيم بالية ما عاد لها مكان في الزمن الحاضر، كالسحر والشعوذة والاتكاء على المُصادفة لبلوغ نجاح زائف.

وما زاد من تعلّق الأطفال واليافعين بالسلسلة، ذاك الكاستينغ الناجح الذي أُسندت فيه أدوار البطولة لخمسة أطفال تمكنوا بمهارة المحترفين من تقديم الحكاية/ الخرافة ضمن طابع هزلي مرح لا يخلو من الجدية في تقديم الموعظة والعبر، مُنتصرين فيها في كل مرة لملكة العقل دون غيره من الغيبيات المرضية.

و”جنون القايلة” مسلسل يروي اجتماع الأطفال ككل سنة في بيت بالمدينة العتيقة في تونس العاصمة، تحديدا “حومة الديوان” (حارة الديوان) عند الجدة “أمي فاطمة” التي تغمرهم بحنانها وعطائها المتواصل.

ومع ذلك ينفر الأطفال من هذا العالم البسيط الذي يفتقر إلى كل مقومات الحياة العصرية في نظرهم، كانعدام الإنترنت، وخلو الحارة من المحلات التجارية ومدن الألعاب والمطاعم والمقاهي، فيجدون في حكايات الجدة فاطمة عن الأخطار التي تتهدّد “حومة الديوان” ملاذا وسلوى تريحهم من السّأم الذي أصابهم.

ومن هناك يخوضون العديد من المغامرات وسط عالم مليء بالغموض والسحر والقوى الخارقة، لينتصروا في النهاية على كبير الجان الملقّب بـ”الجن الأرقط”، بعد أن جابهوه بالحكمة والتدبّر والتعاون في ما بينهم، لا من خلال الاحتكام إلى الحذلقة والحيلة والصدفة كما قدّمتها جل “حكايات العروي” التي تجاوزها الزمن.

14