الخراف والموسيقى

الأحد 2017/11/05

في ذات شريط سينمائي قديم، وفي ذروة غبطتها، تعجلت الممثلة الكوميدية الراحلة ماري منيب و”لخبطت” قائلة: “ندبح المعازيم ونعزم الدبايح”. وكان قصدها المعلوم من سطح الجملة، أن تُذبح الأولى لإكرام الأخيرين. ولنا أن نتخيل الفاجعة -لو أنها قصدت ما قالت- حين تُحز رقاب البشر، بينما الخراف المبعّرة، تجلس إلى الموائد، وتُشنّف آذانها بالموسيقى الآسرة.

لم يتوقف الشريط السينمائي، عند القول المرعب، لكي تستدرك ماري منيب وتصحح مقصدها. فربما يأخذها عنادها إلى التمسك بالجملة والمعنى، ما يضطرها إلى الاستعانة بنتائج بحوث بيطرية، عن تأثير الموسيقى في مواطني مملكة الحيوان.

فمن بين هذه البحوث أن طبيبا نمساويا لاحظ بعد العديد من التجارب أن الموسيقى تؤثر عميقا في الأنعام والحشرات. بل إن كميات حليب الأبقار تزداد بسبب استماعها للموسيقى أثناء الإدرار. فقد تنبه عامل اعتاد على أن يغني فيما هو يحلب البقرات، إلى أن كمية الحليب تزيد عن معدلها كلما غنّى، لكنها تعود إلى حجمها إن تجهّم وحَلَب في صمت. ولما علم صاحب البقرات بالأمر، اشترى فوتوغرافا للزريبة، فأسعدته النتيجة.

غير أن الفئران، وهي من أقبح ذوات الأربع، برهنت على صواب ما توصل إليه الطبيب النمساوي. ففي محاذاة حفلة موسيقية اندهشت امرأة عندما أطلت من النافذة، فرأت نحو عشرين فأرا ترقص على إيقاع الموسيقى. وعندما توقف عازف الكمان، تفرق الجمع الفأري السعيد. وقيل إن العنكبوت أكثر الحشرات تأثرا بالموسيقى واحتفاء بها. فلا تكاد العناكب تسمع عزفا، حتى تبدأ في إرسال خيوطها إلى الجهة التي تنبعث منها. وكلما توقف العزف تتجمد. وقيل إن عازف البيانو البولندي الشهير آرثر روبنشتاين، الذي يوصف بأنه أكفأ عازف لألحان شوبان، رأى عنكبوتا ملتصقا بالبيانو الذي يعزف عليه، ولما انتهى وصفق الحاضرون، انسحب العنكبوت من موضع التصاقه.

هل كانت ماري منيب تقصد ما قالت، وترى أن بشرا ممن لا يتذوقون الموسيقى، أجدر بالذبح من الخراف؟ أم إنها تعمدت القول إن الخراف أجدر من بعض البشر في الجلوس إلى الموائد ونيل المناصب؟

كانت ماري منيب، على الشاشة، تمثل أدوار الحَماة المصرية التقليدية، وقد بالغت السينما في عرض مشاهد تسلطها على زوج ابنتها، وتذويبها لأزواجها. بدت على الشاشة، سليطة وساذجة. لكنها في واقع أصلها الأول، ليست مصرية، وإنما سورية دمشقية، ربما سكنت أعماقها شخصية الهانم الشامية اللئيمة التي تعرف كيف ترمي المعنى في بطن الجملة.

24