الخردة ملاذ فقراء تونس في سوق العصر

الثلاثاء 2015/03/03
معظم مقتنيات سوق العصر يجمعها الباعة من الخردة لعرضها على الزبائن

تونس- "يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر" مقولة شهيرة تعكس حال سوق العصر الواقعة في أحد أحياء ضواحي العاصمة التونسية، حيث يمكن لأي عابر من هناك أن يعثر، بعد عملية فرز وبحث مطولة، على قطعة يعيد بها الحياة لإحدى آلاته الكهربائية أو يصلح بِها ما تعطل من أدوات منزلية.

جلس في ركن وجمع ما تيسّر من مواد قد تبدو للبعض بالية وغير صالحة للاستعمال من قطع غيار منزلية وأدوات طبخ مستعملة ومواد صحيّة (تستعمل في دورات المياه) وقطع كهربائية وغيرها ووضعها أمامه على خرقة قماش وشرع في ترصفيها الواحدة بجانب الأخرى ومن ثمة بدأ بهتافه اليومي المعتاد “القطعة بـ500 مليم” مناشدا بذلك المارة عله يجذب بعضا منهم.

هكذا يبدأ العم حسين أحد باعة سوق العصر في العاصمة تونس نهاره منذ الصباح الباكر، فهو يجمع قوت يومه مما يبيعه في هذه السوق.

ولعل التسمية قد تبدو غريبة للوهلة الأولى سوق العصر، فقد يخيل للبعض أنك تتحدث عن أحد الأسواق العصرية، حيث تعرض المنتجات الجديدة والأثاث الحديث، ولكن الصورة هنا مخالفة لذلك تماما، فهذه السوق موجودة على مقربة من أفقر أحياء تونس العاصمة كـ“حي هلال” و“الملاسين” و“السّيدة”. ويبدأ التونسيون فيها منذ الصباح البحث عن أدوات أو آلات مستعملة ربما يحتاجونها.

سوق بسيط يلبي حاجيات الفقراء والبسطاء

ويجد المتسوق ضالته في هذه السوق، حيث بسعر زهيد يقتني منها ما لا يمكنه العثور عليه في أي مكان آخر وما لا توفره له حتى المحلات التجارية الكبرى.

ويقول العم حسين، أحد الباعة الذّين ليس لديهم مورد رزق آخر سوى تجارتهم البسيطة في سوق العصر “هناك إقبال كبير من قبل التونسيين على هذه السوق خاصة أن أغلب الزبائن ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة، كما أن هناك أناسا يبحثون دائما عن المنتجات القديمة غير المتوفرة في محلات بيع السلع العصرية لأنهم يؤمنون بأنها تدوم أكثر من الجديدة فهي حسب اعتقادهم ذات نجاعة وصلاحية أكبر”.

ومن جانبه، يرى عبدالوهاب هادف، وهو كثيرا ما يرتاد هذه السوق أنها “ضالة الفقراء والبسطاء وعامة المواطنين لأن أسعارها في متناول الجميع، حتى أنه اقتنى سخان ماء منذ أكثر من سنة كان أفضل من ذاك المعروض في المحلات التجارية باهظة الثمن”.

أما علي بن عامر الذي رافق هذه السوق طيلة 50 سنة من العمل في مجال تجارة الخردة، يعتبرها سوق “الزوالي” أي الفقير باللهجة التونسية.

“فهنا، لا يبالي الباعة بحالة الطقس مهما كانت، إذ لا المطر في الشتاء القارص ولا حرارة الشمس في الصيف تثنيه من أن يأتي في الصباح الباكر محملا ببضائعه ليعرضها في سوق يفوق عمرها الـ100 سنة ويقصدها الجميع من كل حدب وصوب”، على حد تعبيره.

من جانبه، يرى جلال خميري أحد الحرفاء، أنه “لا يقبل إلى هنا سوى الشخص الفقير والبسيط، حيث يجد كل ما يـريد مـن كتب وتجهيزات ومواد منزلية مصنوعة من نحاس ورصاص وأليمينيوم وغيرها بأسعـار مناسبة وزهيدة، وأنه لا يرتاد هذه الأماكن سوى من يـعرف جـيدا قيمة الأشياء المعروضة فيهـا”.

ويقول رياض المرابط، الباحث في مجال التراث، إن “هذه السوق الشعبية كانت سوقا صغيرة تلتئم بين صلاتي العصر والمغرب في إحدى بطاح العاصمة (بطحاء أي مـكان منفتح يمكن أن يعرض فيها الباعة بضائعهم) ومن ثمة تطورت بعد الاستقلال وهي متخصصة في بيع الخردة والأجهزة القديمة والمستعملة”.

سوق العصر حيث يجد التونسيون ما لا توفره لهم المحلات التجارية الكبرى

ويضيف أيضا أنها “لم تكن موجودة قبل العهد الحسيني (1705-1957) على غرار أسواق المدينة العتيقة التي بدأت تتركز منذ العهد الحفصي (1228-1573)، ولكنها تطورت أكثر بالهيئة التي هي عليها الآن خاصة بعد استقلال تونس (1956) وهي مختصة في بيع الأثاث والسلع القديمة”.

ويشير كذلك إلى أنها “بقيت على ملامحها القديمة، فأحيانا تجد أشياء لا قيمة لها ولكنها تستمد قيمتها من تاريخ هذه السوق”.

ويتابع قائلا إن”المنطقة التي توجد بها السوق حاليا كانت في العصر الحفصي منطقة راقية جدا وقريبة من إقامة السلاطين ومن نهج ممر السلطان وكانت حينها مخصصة لبيع الأسلحة وترميمها لتتطور فيما بعد وتصبح سوقا للأثاث المستعمل”.

وتبقى مـطالب هؤلاء الباعة فـي تحسين وضعيات عيشهم على قائمة الانتظار، خاصة وأنهم من ذوي الدخل المحدود وليس لديهم مورد رزق غير فتات ما يبيعونه في هذه السوق.

20