الخرزة الزرقاء

الاثنين 2015/10/05

كنت أسير بجوار صديق وزميل مهنة بأكبر مؤسسة صحفية في مصر صحبة بعض الزملاء متوجهين من نقابة الصحفيين إلى “أتيليه” القاهرة (معقل مثقفي وأدباء مصر)، وإذ بصديقي يتوقف فجأة منزعجا ومتراجعا إلى الوراء بعض الخطوات، فتوقفت و سارعت في بالسؤال ما الذي استوقفك؟ فأجاب بسرعة وعفوية وهو يعدل من وضعها “شبشب مقلوب” أي فردة حذاء ملقاة على الأرض بشكل مقلوب، فضحكت من الصحفي المثقف والمنوط به تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه الرأي العام.

وقلت “مالنا ومال الشبشب المقلوب؟”. فقال بشكل أثار بداخلي هواجس: هذا الشبشب في وجه ربنا، استعذت بالله، وقلت لا وألف لا يا مثقف، يا كارها للخرافات والفكر العنكبوتي الشائن، وطفقت أخصف على عورات فكر الخرافة من أدلة عقلية ودلائل لا ينكرها وعي يقظ.

وانتهت الأمسية، وذهب كل منا في طريقه، وكنت مسكونة بيقين أنه حديث عابر لا يغير إرث عمره أكثر من أربعين عاما هو عمر صديقي.

ومنذ تلك الواقعة، وأنا أنظر للأمور بشكل مختلف، فإذ بي أدقق في أشياء غريبة لم أكن أعيرها اهتماما من قبل.

ذهبت إلى منزل كاتبة عربية تقيم بمصر منذ أعوام فإذا بخرزة زرقاء كبيرة تزين “باطن” باب البيت الفاره، خرزة ملفتة لا تترك الخيار للسؤال من عدم وإنما دفعتني له دفعا، فإذا بالكاتبة (التي حازت أرقى الجوائز والأوسمة بدولتها العربية وعلى مستويات دولية) تشير إليها بثقة، وتؤكد أنها منذ تعليق هذه الخرزة وشرور الحسد والحاسدين لا تعرف لها طريقا. فقلت لها: أنا أيضا أؤمن بالحسد فهو مذكور في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، ولكنني لا أؤمن بأن خرزة زرقاء إذا شطرتها بآلة أو عصا انشطرت دون مقاومة ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا تستطيع حمايتي دون جدوى، ودون تغيير لمعتقدات حفرت لها موقعا ثابتا عبر الزمن.

وراجعت ذاكرتي حين قدمت الإعلامية الرائعة “ليلى رستم” قديما حلقة مع الممثل الراحل أحمد رمزي وكان يرتدي خرزة زرقاء لحمايته من “عين الحسود” متباهيا بها.

والغريب أن أكثر المؤمنين بالخزعبلات وفكر الخرافة هم من المثقفين والكتاب والفنانين والرياضيين وبعض رجال الأعمال. أي انتقال هذا الفكر من صفوف الطبقات الفقيرة والأميين إلى النخبة، وبعضهم يؤمن بالسحر إلى درجة تثير الريبة، حتى أن منهم من لا يدخل عملا أو مباراة أو يعقد صفقة حتى يجلس إلى بعض قراء الطالع الذين أصبح لهم من الأناقة والوجاهة ما جعلهم يعلنون عن أنفسهم بالوسائل التكنولوجية الحديثة، مدعين قراءة المستقبل ومعرفة الغيب.

مازالت تحكمنا بعض من عادات غريبة مثل، فردة الحذاء المقلوبة، ورؤية الغراب، وأن الخرزة الزرقاء تصد الحسد وأعين الحاسدين، واعتبار البومة لدى العرب رمز الشر والفقر والأخبار السيئة، على الرغم من كونها لدى الغرب ترمز للذكاء ونفاذ البصيرة.

أعرف كثيرا من الفنانين المفتونين بالجديد في مجال السحر والفلك والأبراج، وللأسف يقعون فريسة لبعض الدجالين والمشعوذين.

المشكلة أن دولة مثل مصر مثقلة بهمومها ووضعها الاقتصادي الحرج تنفق 15 مليار جنيه سنويا (1.9 مليار دولار تقريبا) على الدجل والدجالين، حقا إنه رقم مرعب، وبحسب تقرير رسمي فإن 63 بالمئة من المصريين مؤمنون بالخزعبلات، منهم 11 بالمئة من الفنانين والرياضيين.

21