الخرطوم تدشن عودتها الدولية بتحريك قضية حلايب وشلاتين

جددت تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير الأزمة التاريخية بين السودان ومصر بشأن مثلث حلايب وشلاتين الواقع على الحدود المصرية السودانية. وفي كل مناسبة تلوّح الخرطوم بالاتجاه إلى التحكيم لإثبات أحقيتها في المنطقة، تكتفي مصر برد رسمي يؤكد على ملكية المنطقة وعدم التفاوض حولها، لكن الوضع وكما يرصده ماجد عاطف في تحليل نشرته مجلة سياسات خارجية الأميركية “فورين إفيرز” يبدو مختلفا هذه المرة، فالنظرة للسودان الدولة “المغضوب عليها” بدأت تتغيّر، الأمر الذي أعطى دافعا للخرطوم لجر مصر إلى تحكيم ملزم أمام محكمة تسوية المنازعات البحرية الدولية.
الأربعاء 2017/05/24
ابتسامات لا تخفي حجم التوتر

القاهرة- في شهر أكتوبر 2016 استدعى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نظيره السوداني عمر البشير إلى القاهرة لحضور احتفالات ذكرى حرب أكتوبر 1973 ومنحه نجمة سيناء، وهي أعلى ميدالية عسكرية في مصر. كانت مشاهد جلوس البشير إلى جانب السيسي في سيارة مكشوفة وهما يراقبان وحدات الجيش المصري توحي بتحسن العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر.

لكن لم يدم شهر العسل الجديد بين مصر والسودان طويلا، فمع حلول سنة 2017 بدأت نقاط الخلاف التقليدية تظهر من جديد. وعندما رأت الخرطوم أن ميزان القوى الإقليمي بدأ يتغير لمصلحتها بفضل تحسن علاقاتها بكل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، طلبت في شهر أبريل الماضي من مصر تسليم التحكم في المنطقة على حدود حلايب المتنازع عليها لمدة طويلة، وعند رفض مصر ذلك انطلقت مشاحنات إعلامية لتنفث النيران في التوترات الدبلوماسية.

ومنذ ذلك الوقت تواصل احتداد التوترات حيث منع السودان المصريين من دخول البلاد دون تأشيرة بينما كانوا قبل ذلك يدخلون دونها، كما قرر حظر الواردات المصرية من الفواكه على أساس أنها ملوثة. وأخيرا اتهم البشير القاهرة بتزويد جنوب السودان بالأسلحة والذخيرة. وفي المقابل اتهمت مصر السودان بإيواء الإخوان المسلمين. وحسب تقرير إخباري للتلفزيون السوداني الحكومي لم تفنده القاهرة قامت مصر كذلك بتحريك وحدات عسكرية في المياه الإقليمية المحاذية لمثلث حلايب وأرسلت طائرات حربية للتحليق فوق المنطقة.

وتعود جذور النزاع في مثلث حلايب إلى أكثر من قرن. وفي سنة 1899 قررت الإمبراطورية البريطانية رسم الحدود بين مصر والسودان وهما بلدان كانا تحت حمايتها. واختارت خط العرض الـ22 كخط فاصل بين الوحدتين الإداريتين. وكانت المنطقة المعنية في الجانب المصري. لكن في سنة 1902 قرر وزير الداخلية المسؤول عن المنطقتين إعطاء مثلث حلايب إلى إدارة الخرطوم لأسباب تتعلق بثقافات القبائل في المنطقة. وهذا القرار هو الأساس الذي يعتمد عليه السودان في المطالبة بهذه الأراضي، بينما تتمسك مصر باتفاقية سنة 1899 وترفض قرار سنة 1902 على أساس أنه مجرد قرار إداري لم يلغ القرار السابق أبدا.

ولم يحتد النزاع حول مثلث حلايب إلا في سنة 1958 عندما قرر الرئيس المصري جمال عبدالناصر تنظيم استفتاء حول تعيينه رئيسا للجمهورية العربية المتحدة التي تمثل اتحادا سياسيا بين مصر وسوريا. تفاجأت اللجنة الانتخابية المبعوثة لتنظيم الاستفتاء في منطقة حلايب بوجود لجنة أخرى من السودان هناك، حيث صادف إجراء الانتخابات البرلمانية السودانية مع التاريخ نفسه.

ونشر عبدالناصر الجيش المصري لمنع إجراء الانتخابات السودانية في المنطقة. ورد السودان بتقديم شكوى ضد مصر إلى مجلس الأمن، فقرر عبدالناصر الذي كان يعتبر نفسه القومي العربي الأول بأنه من غير الحكمة الدخول في نزاع حدودي مع الجار السودان وتردد الطرفان. ومن جهته جدد السودان الشكوى كل سنة منذ ذلك التاريخ لكن دأب الممثلون عن كل من البلدين على أن يطلبوا من المجلس تأجيل النقاش في الخلاف.

واشتعل النزاع من جديد في سنة 1995 عندما اتهمت مصر السودان بوقوفه وراء محاولة اغتيال حسني مبارك. وزعم هذا الاتهام بالتحديد أن المخابرات السودانية موّلت وساعدت الجماعة الإسلامية وقائدها مصطفى حمزة في مسعاها لقتل الرئيس. وفي رد فعل نشر مبارك الجيش المصري لتضييق السيطرة على حلايب، وفي ذلك الوقت لم يكن بوسع السودان غير الصمت.

ومن الناحية الجيوسياسية فإن موقع السودان اليوم أقوى مما كان في سنة 1995، وأحد الأسباب يرجع إلى تحسّن علاقته مع السعودية بشكل كبير. كما حقق السودان تقدما ملحوظا في علاقاته مع الولايات المتحدة التي قررت في يناير الماضي رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على الخرطوم لتشجيعها على محاربة الإرهاب، وتزامن هذا التقارب مع نأي السودان بنفسه عن إيران. وفي الحقيقة اتهم حزب الله بشكل مباشر بأن الخرطوم مدت واشنطن بمعلومات عن مراكز تدريبية في السودان.

ويذكر أن العلاقات بين حزب الله والسودان كانت قوية، ففي سنة 1999 مثلا قال عمار الموسوي، المكلف بالعلاقات الخارجية في حزب الله، إن “الضربات الجوية الأميركية على أهداف في السودان وأفغانستان قد تدفع إلى المزيد من الهجمات على المصالح الأميركية”. وكانت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات والأمن السوداني محمد عطا المولى إلى واشنطن في مارس واجتماعه بمدير وكالة الاستخبارات الأميركية “سي.آي.إيه” مايك بومبيو أديا إلى تكثيف الاتهامات بأن البشير كان في الواقع قد سلّم المعلومات.

وأفضى تحسّن العلاقات مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في ظل ضعف الموقف السياسي والاقتصادي لنظام السيسي، إلى تشجيع البشير على إعادة فتح نزاع حلايب مرة أخرى. ويذكر أن مصر تواجه بعض المشكلات على حدودها الغربية مع ليبيا التي تعتبر أهم مصدر للأسلحة المهرّبة إلى داخل الأراضي المصرية، وتتميز حدودها الغربية بأنها معقل للمقاتلين الإسلاميين.

وعلى العكس من ذلك، وإلى حد الآن، كانت حدود مصر الجنوبية هادئة نسبيا. وبسبب الضغوط السياسية الداخلية لا يستطيع السيسي الانسحاب أو حتى قبول التحكيم الدولي لحل المشكلة. وعندما أُجبر النظام في السنة الماضية على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بعد إمضاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية تسبب ذلك في إثارة ردة فعل بأن السيسي يجد صعوبة في فرض سيطرته، وهو لا يرغب الآن في أن يعاد الشيء نفسه. وتعمل الحكومة المصرية في الوقت الراهن على محاولة تخفيف التوترات في نزاع حلايب لتجنّب المزيد من الاضطراب الداخلي.

7