الخرطوم ترضخ لقسوة التضخم وتزيد أجور الموظفين

خبراء يعتبرون أن قرار الحكومة السودانية مضاعفة الرواتب سبع مرات تقريبا خطوة ستساهم في انتعاش الاقتصاد الراكد وستحفز زيادة الانتاجية.            
الثلاثاء 2020/05/19
خطوة نحو المجهول

اضطرت الحكومة الانتقالية السودانية إلى الرضوخ لقسوة غليان الأسعار على الآلاف من الموظفين عبر زيادة أجورهم، في تحرك يرى اقتصاديون أنه لا يخلو من مغامرة محفوفة بالمخاطر كونه سيفاقم الخلل الكبير في التوازنات المالية، في ظل الانحدار القياسي المتواصل للجنيه أمام العملات الأجنبية.

الخرطوم- اعتبرت أوساط اقتصادية سودانية قرار الحكومة الانتقالية زيادة أجور موظفي الدولة خطوة نحو المجهول، ستؤدي حتما إلى تعميق أزمات البلاد الاقتصادية ومضاعفة التحديات التي تواجهها في معالجة اختلال التوازنات المالية.

ويعاني السودان من مشاكل هيكلية في أسس الاقتصاد دفعت المواطنين للقيام بانتفاضة شعبية سرعان ما أنهاها الجيش العام الماضي بإطاحة النظام السابق الذي حكم البلاد لثلاثة عقود تحت رئاسة المخلوع عمر البشير. وأكد الخبير فريد عمر مدني أن زيادة الرواتب من قبل الحكومة بهذه النسبة الكبيرة ستنعش الاقتصاد الراكد وستحفز زيادة الإنتاجية.

ونسبت وكالة الأنباء السودانية لمدني قوله الاثنين إن “زيادة الرواتب سياسة توسعية تحرك مفاصل الاقتصاد وترمم قنوات الإنتاج التي أغلق مجاريها التخلف وضعف الطلب وارتفاع التكلفة المحفزة بقلة الطلب من ناحية ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة نسبة لتدهور قيمة الجنيه”.

ورغم أن خطوة زيادة الرواتب تأتي لامتصاص معدلات التضخم التي ارتفعت بشكل جنوني الشهر الماضي، في ظل أزمة وباء كورونا، التي زادت من متاعب الاقتصاد المنهك، إلا أن الحكومة تقول إن الخطوة ليست لها علاقة بغليان الأسعار.

وقال وزير المالية إبراهيم البدوي “صرف الرواتب وفق القواعد الجديدة التي اتخذتها الحكومة، إضافة إلى زيادة الرواتب لن تكون سببا في ارتفاع معدلات التضخم، بل ستكون إدارة لمعالجة الكساد في الاقتصاد الذي برز عقب جائحة كورونا”.

وأكد أن الوزارة بدأت فعليا صرف رواتب الموظفين، مشيرا إلى ان ارتفاع التضخم كان بسبب زيادة الكتلة النقدية من خلال طباعة النقود وطرحها في السوق دون أن يقابلها إنتاج وذلك منذ العام 2016.

وقررت الحكومة منتصف أبريل الماضي مضاعفة الرواتب سبع مرات تقريبا لتنتقل من 425 جنيها (7 دولارات) إلى 3 آلاف جنيه (54 دولارا) وسيتم تطبيقها على ثلاث سنوات.

ووفق الجهاز المركزي السوداني للإحصاء قفز معدل التضخم إلى نحو 99 في المئة في أبريل الماضي، مقابل 82 في المئة قبل شهر بسبب استمرار ارتفاع أسعار الغذاء. وعزا الجهاز ارتفاع معدل التضخم إلى استمرار زيادة أسعار الغذاء مثل الزيوت والحبوب واللحوم والبقوليات واللبن والخبز.

الحكومة الانتقالية قررت مضاعفة الرواتب سبع مرات لتنتقل من 425 جنيها (7 دولارات) إلى 3 آلاف جنيه (54 دولارا)

ودعا الخبير الاقتصادي مدني إلى ضرورة اعتماد سياسة التصنيع للتصدير للحصول على النقد الأجنبي اللازم لدعم العملة الوطنية وتقليل الاستدانة الخارجية ودعم الميزان التجاري.

وأشار إلى أن القطاع الخاص يظل أيقونة الإصلاح عبر المبادرات و”اختراق خنادق الركود”. وقال إن “فوائد زيادة الكتلة النقدية تكمن في زيادة الاستهلاك الفردي مما يتطلب زيادة الإنتاج لمقابلة الطلب وبالتالي إضعاف الركود التضخمي”.

وأعرب عن أمله في أن تسرع الحكومة الانتقالية في اتباع سياسة إصلاحية تشمل الرسوم الضريبية والجمركية لدعم سياسة التوسع المالي لتحريك  وتحفيز الإنتاج. ولم تراوح متاعب السودانيين مكانها، فحتى بعد الإطاحة بالبشير لا يزال المواطنون يقفون في طوابير طويلة لاقتناء الخبز ووقود السيارات والغاز المنزلي.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي في فبراير الماضي أن نحو 9.1 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، من بين نحو 42 مليون نسمة. ومنذ انفصال جنوب السودان عن السودان في 2011، يشهد اقتصاد البلاد ارتفاعا في معدّلات التضخم وتراجع قيمة الجنيه السوداني إثر فقدان عائدات نفطية كبيرة.

وتتطلع الخرطوم إلى دعم المجتمع الدولي لكن مؤتمرا للمانحين كان من المقرر عقده في يونيو المقبل بعد أن تأجل بسبب كورونا. وستستخدم الحكومة الانتقالية مساعدة قيمتها 460 مليون يورو تعهد بها الاتحاد الأوروبي لتمويل إصلاحاته الاقتصادية المنتظرة.

11