الخرطوم تصعّد مطاردتها لأشباح التلاعب بالنظام المصرفي

محللون يشككون في قدرة الحكومة السودانية على إعادة التوازن للنظام المصرفي من خلال مطاردة أشباح التلاعب في المنظومة التي وصلت إلى إجراءات قمعية بحق المتعاملين بالعملات.
السبت 2018/06/23
منظومة مالية مهددة بالانهيار

الخرطوم - انتقد محللون، السياسات النقدية التي تطبّقها الحكومة السودانية لإصلاح النظام المصرفي، في ظل المؤشرات السلبية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات طويلة.

ولازم شعار “فقدان الثقة” في المصارف السودانية خلال الفترة الماضية، ذاكرة المواطنين، بعد تطبيق قرارات حكومية تهدف إلى إعادة التوازن للاقتصاد المحلي المتدهور.

وأصدرت الحكومة والبنك المركزي حزمة إجراءات للحفاظ على النقد الأجنبي في السوق المحلية، وسحب السيولة من السوق المحلية لخفض نسب التضخم.

وألقى وزير المالية، محمد عثمان الركابي، باللائمة على أعداء، لم يسمّهم، يديرون حربا اقتصادية على السودان، عبر ترويجهم شائعات مغايرة لإجراءات السلطات السياسية والنقدية.

وقال في مؤتمر صحافي الثلاثاء الماضي، إن “الحرب الاقتصادية أخطر، حيث بدأ الناس يحاربون أنفسهم بأنفسهم عبر الشائعات، وهذا سيؤدي لتحطيم اقتصاد وطنهم.. الشائعات جعلت المواطنين يأخذون الأموال من البنوك ويضعونها في منازلهم”.

وفي فبراير الماضي، أصدرت الحكومة، قرارا بتحجيم الكتلة النقدية بعد هبوط مخيف لقيمة الجنيه أمام الدولار وبلوغه 45 جنيها، كأعلى قيمة يصلها الدولار.

محمد عثمان الركابي: هناك من يدير حربا اقتصادية على السودان عبر ترويج الشائعات
محمد عثمان الركابي: هناك من يدير حربا اقتصادية على السودان عبر ترويج الشائعات

وبعدها تلقت المصارف توجيهات من المركزي بتحديد سقوفات سحب العملاء عند حدود معينة، فضلا عن عدم تغذية الصرافات الآلية، الأمر الذي خلق أزمة حادة في السيولة.

ورغم الوعود الحكومية المتكررة بالعمل على حل أزمة السيولة، إلا أنها أضحت وعودا غير قابلة للتصديق بعد تكرراها، دون وجود أثر ملموس على الواقع، وفق خبراء.

وآخر الوعود الحكومية، قول وزير المالية، الأسبوع الماضي، أمام نواب البرلمان إن  المركزي يقوم بإجراءات قيد التنفيذ، والإعداد لحل أزمة السيولة التي تعيشها البلاد بصورة جذرية.

وأدت هذه الإجراءات، إلى إحجام عملاء المصارف عن إيداع مدخراتهم في فروع البنوك، والاحتفاظ بها خارج نطاق الجهاز المصرفي.

ويعاني السودان من شح في النقد الأجنبي منذ انفصال جنوب السودان في 2011 وفقدان ثلاثة أرباع موارده النفطية بما يقدّر بنحو80 بالمئة من موارد النقد الأجنبي.

وبلغ عجز الموازنة في العام الجاري، 28.4 مليار جنيه (4.11 مليار دولار)، تشكل نسبته 2.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ووسط كل ذلك، يؤكد مدير شركة لاستيراد الأدوات الكهربائية، فتح الرحمن أحمد، عدم رغبة جميع الشركات العاملة في الأسواق، على إيداع نقودهم لدى المصارف، لجهة أنها لن تكون متاحة عند احتياجهم لها.

وقال إنه “لا يمكننا العمل دون وجود سيولة متوفرة بين أيدينا، لإكمال إجراءات الاستيراد، ولن نستطيع أن نودع أموالنا في المصارف لأننا لن نجدها”.

وانتابت حالة من التخوف لدى المصارف  بعد الانخفاض الكبير الذي شهدته ودائع العملاء خلال الفترة الماضية، بما أثّر على حجم التمويل الممنوح للقطاعات الإنتاجية.

وقال موظف في مصرف سوداني، فضّل عدم الكشف عن هويته، إن “ودائع المصارف شهدت انخفاضا ملحوظا عقب إجراءات تحجيم الكتلة النقدية الأخيرة”.

وحذّر من أن استمرار الوضع على ما هو عليه، سيؤدي في قادم الأيام إلى انهيار كامل للجهاز المصرفي السوداني.

سمية سيد: الحكومة تعمل على تعقيد سبل معالجة الأزمات الاقتصادية للسودان
سمية سيد: الحكومة تعمل على تعقيد سبل معالجة الأزمات الاقتصادية للسودان

ورأت الصحفية المهتمة بشؤون الاقتصاد، سمية سيد، أن الحكومة تعمل على تعقيد معالجة الأزمات الاقتصادية في البلاد.

وأشارت سيد، إلى أن المركزي فشل في توفير مناخ مناسب لسعر صرف الجنيه، أمام العملات الأجنبية وفي مقدمتها الدولار، فلجأ إلى تحجيم الكتلة النقدية في أيدي المواطنين.

ووصفت الخبيرة السودانية الإجراء بالخاطئ، وقالت إنه “ساهم في ولادة أزمة أكبر من أزمة استقرار العملة، تمثلت مظاهرها في فقدان ثقة العملاء في المصارف”.

ويبدو أن رجوع الثقة في الجهاز المصرفي، سيحتاج إلى فترات طويلة حتى يستعيد العميل ثقته في القطاع، عبر سياسات تحفيزية وتشجيعية لجذب المدخرات.

وحذّرت سيد من عواقب وخيمة، ستصيب الاقتصاد حال فشلت المصارف في تمويل المشاريع الإنتاجية والتنموية.

ويتفق متابعون على أن عدم تمكن العميل من سحب مدخراته بالمصارف، أدى إلى اهتزاز الثقة بين العملاء والقطاع المصرفي، وجعلت العملاء يتجهون إلى الاحتفاظ بمدخراتهم في العقارات والذهب.

وشدد الخبير الاقتصادي، محمد الناير، على ضرورة أن يسرع الجهاز المصرفي في استعادة الثقة بينه وبين عملائه، من خلال إتاحة أموال المودعين.

ويرى أن الجهاز المصرفي في البلاد يحتاج إلى بث رسائل تطمينية وتشجيعية، وتعزيز الثقة في التعامل عبر الشيكات المصرفية، وتفعيل وسائل الدفع المقدم.

وقال إن “المصارف لا تعمل من خلال رؤوس أموالها، إنما تعتمد على أموال المودعين في تمويل مشاريع القطاعات الإنتاجية”.

11