الخرطوم تطرق أبواب العودة إلى المجتمع الدولي

يمكن قراءة قرار الرئيس السوداني عمر البشير تعيين نائبه بكري حسن صالح رئيسا للوزراء. في سياق العلاقات السودانية مع الدول الأكثر فاعلية في منطقة الشرق الأوسط لاسيما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، كما أنه يأتي في سياق الاستدارة السودانية ضد إيران وأيضا تحسين العلاقات مع الخليج العربي ومصر.
الأحد 2017/03/05
رجل الظل القوي

القاهرة - أقر المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان تعيين بكري حسن صالح النائب الأول للرئيس عمر البشير رئيسا للوزراء.

وقال مساعد الرئيس ونائبه في الحزب إبراهيم محمود عقب انتهاء اجتماع المكتب القيادي إن المكتب وافق على أن يشغل صالح منصب رئيس الوزراء مع الاحتفاظ بمنصبه كنائب أول للرئيس البشير.

لم يكن قرار عمر البشير بتعيين رئيس للوزراء لأول مرة منذ 28 عاما مجرد إجراء في سياق التعامل مع الأزمة الاقتصادية الداخلية الخانقة التي تمر بها البلاد ولا حلقة في مسلسل الصراع على الحكم بين مكونات العملية السياسية في الخرطوم، بل يتجاوز ذلك بكثير.

وما يؤكد أن وراء هذه الخطوة رسائل مهمة أراد الرئيس عمر البشير توصيلها للداخل والخارج، اختياره لبكري حسن صالح نائبه ورفيقه منذ تنفيذ انقلاب 1989 والعسكري الوحيد الموقّع على مذكرة العشرة التي أطاحت بـ”عرّاب” الإسلاميين في السودان حسن الترابي.

وترى مصادر سودانية في خطوة تعيين رئيس للوزراء سعيا من جانب البشير للانفتاح على العالم والخروج من عزلته، وتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الخرطوم ماضية في طريق تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية وراغبة بشدة في إنهاء الصراعات والحروب والأزمات.

لكن في ما يتعلق باختيار بكري بالتحديد يرون أن البشير سعى من وراء التطور الأخير إلى توظيف ورقة الإسلاميين في مخاطبة الغرب، فالرجل الذي جاء إلى الحكم رافعا شعار الحركة الإسلامية هو نفسه من أطاح بعدد كبير من قياداتها، والآن مهتم بترجيح كفة العسكريين على حساب الإسلاميين.

ويعتبر اختياره لبكري حسن صالح رئيسا للوزراء، وهو يشغل منصب نائب الرئيس منذ تعيينه سنة 2013، أوضح مثال على ذلك حيث طرحت الحركة الإسلامية أكثر من شخص لهذا المنصب لكن البشير رفضهم واختار صالح.

واعتبرت الباحثة السودانية رشا عوض أن هناك تفاهمات بين عمر البشير وواشنطن والاتحاد الأوروبي في ملفين رئيسيين هما الإرهاب والهجرة غير الشرعية، ولذلك رأى الرئيس السوداني في شخص صالح الرجل المناسب أمنيا وعسكريا لتطويق هذا الملف.

وأشارت، في تصريحات لـ”العرب” إلى أن مسألة تعيين رئيس وزراء ليس التحرك الأول من البشير في سياق الإصلاحات الدستورية، فقد سبق له إجراء تعديلات دستورية تجعل من حقه اختيار حكّام للولايات، وهو ما جاء منسجما مع فكرة تغليب كفة العسكريين على الإسلاميين بما يعطى ملمحا مهما في علاقة النظام السوداني بالحركة الإسلامية ومدى استعداداه للتعامل معها من منطلق الورقة التي يتم توظيفها لخدمة أهداف سلطوية.

الرسائل التي أراد البشير توجيها للدول العربية نصيب منها، فالرياض التي فتحت مؤخرا صفحة جديدة مع الخرطوم كانت ثمرتها الاشتراك في التحالف العربي باليمن تنظر إلى إجراءات البشير على أنها تأكيد لنفي أيّ ارتباطات “أيديولوجية” للنظام السوداني. وكانت السعودية من الدول التي سعت لرفع العقوبات عن الخرطوم انطلاقا من وعيها بأهميته السودان في التحالفات الإقليمية المتغيرة في المنطقة العربية واعتبارا مما حصل في العراق بتركه بيد إيران.

من جهة القاهرة فإن أي قرارات من شأنها تحجيم جماعة الإخوان -باعتبارهم الطرف الأهم في الحركة الإسلامية- تثير اهتمامها وحتما ستنظر إليه في سياق إصلاح العلاقات، لا سيما وأن السودان ومصر بينهما الكثير من الملفات العالقة ومنها قضية حلايب وشلاتين وسد النهضة وجماعة الإخوان، ووجود عسكري على رأس العمل التنفيذي في السودان يريح مصر.

وقال المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي إن البشير لديه قدرة كبيرة على المناورة وناجح في توظيف ورقة الإسلاميين في التعامل مع الغرب أو محيطه العربي. وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن شخصية بكري حسن صالح تؤكد هذا الطرح إذ يمكنه أن يؤدي خدمة كبيرة للبشير.

ويحظى بكري حسن صالح بقبول دولي وإقليمي. ومن ثم يستطيع أن يتعامل مع الغرب بملف الإسلاميين والإرهاب دون أن تطال البشير أيّ انتقادات. كما أن الرجل ينتمي إلى المنطقة الشمالية التي ترتبط مع مصر بروابط مصاهرة ونسب ما يعطى انطباعا بالرغبة في تلطيف الأجواء مع القاهرة.

غير أن السؤال الأهم هنا، ليس في دلالات التغييرات الدستورية ولا في الرسائل التي يريد البشير توجيها للخارج، بل في إمكانية تحقيق هذه الأهداف وهل يستطيع البشير فعلا خدمة توجّهاته الخارجية الجديدة؟

وقالت رشا عوض إن عملية إقصاء المدنيين من قبل استغرقت عشرات السنين لذلك فإن نفوذ الإسلاميين قادر على إفشال أيّ مخططات للبشير، كما أن الهشاشة الداخلية للنظام السياسي في السودان تنعكس على أداء الأجهزة الأمنية بمعنى أن هناك عناصر أمنية وعسكرية سودانية تستثمر في مجال الهجرة غير الشرعية بسبب الأزمة الاقتصادية.

وتبقى طبيعة التوجهات الخارجية للنظام السوداني مرهونة بما يمكن أن تسفر عنه الأيام القادمة من سياسات خاصة في العلاقة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي والدول الإقليمية، لا سيما أن السودان يمر بظروف اقتصادية صعبة فرضت عليه مجموعة من السياسات التقشفية التي أدت إلى احتجاجات طلابية وشعبية.

كاتب مصري

6