الخرطوم وجوبا تطوقان أزمة أبيي القابلة للانفجار في أي لحظة

قوى داخلية وخارجية بأجندات متباينة تتجنّد لإبقاء التوتر بين السودان وجنوب السودان.
الثلاثاء 2020/01/28
اتفاقات لا تنهي الأزمة

القاهرة - نجح السودان وجنوب السودان في إطفاء حريق جديد- قديم، يؤدي اشتعاله إلى مزيد من الأزمات التي يعاني منها البلدان. وتحاول بعض الجهات صب الماء على نيرانها، بينما تسعى أخرى إلى النفخ فيها، متوهمة أن مصالحها تكمن في استمرار التوتر وعدم الأمن والاستقرار في الدولتين. ولذلك بادرت حكومتا الخرطوم وجوبا إلى احتواء أزمة أبيي أخيرا قبل أن تحرق الأخضر واليابس. وقبل أن تقوم قوى خارجية بالدخول على خيوط متشابكة تم تفكيكها مؤقّتا، وتقوم بتوظيفها لأغراض مشبوهة.

اتفق وزيرا الدفاع في البلدين، الجمعة، على خارطة طريق لحل الأزمة الأمنية في منطقة أبيي الغنية بالنفط، والمتنازع عليها منذ سنوات، بعد مقتل 32 شخصا في هجوم استهدف قرية “كلوم”، الأربعاء. وتمت تسوية المشكلة من خلال لجان تسمى بـ”التعايش السلمي”، عقب لقاء عاجل عقده الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة بالسودان، مع سيلفا كير رئيس دولة جنوب السودان، أزال الكثير من الالتباسات.

بعثت الحادثة الأخيرة برسائل خطيرة إلى القيادة السياسية في كل من الخرطوم وجوبا، مفادها أن أبيي ستظل أزمة قابلة للانفجار في أية لحظة ما لم يتم تسويتها بالأدوات السياسية. كما أن تأجيل البت فيها رضائيا لتجنب عودة الخلافات على أوتارها لن يعفي كليهما من تداعياتها السلبية، في ظل الأزمات المتناثرة، والتي يموج بها السودان وجنوب السودان.

دقّت عودة أزمة أبيي إلى الواجهة جرس إنذار قويا للخرطوم تحديدا، ويتعلق بمدى المكاسب التي يمكن أن يجنيها أنصار نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير من وراء اشتعالها، بصرف النظر عن الأسباب الحقيقية، حيث يفضي ذلك إلى انهماك القوات الأمنية للسيطرة على أي حريق في جنوب البلاد، وبالتالي ذهاب وحدات عسكرية عدة إلى هناك، وتفريغ العاصمة الخرطوم جزئيا من القوة الضاربة، ما يمكّن من يتشوّقون للعودة إلى السلطة العمل للاستفادة من هذا الفراغ.

يأتي هذا الاستنتاج من رحم اتهام كوال ألور جوك، رئيس إدارية أبيي من جانب حكومة جنوب السودان، الخميس، الجيش وميليشيات من قبيلة “المسيرية”، مدعومة من قوات الدفاع الشعبي التي شكلها نظام البشير، بتنفيذ الهجوم على “كلوم” بما يعني تجاوز الكثير من المحاذير وخروج القضية عن مسارها المباشر إلى التلويح بوجود أصابع خفية من مصلحتها تأزيم الأوضاع في المنطقة.

احتواء أزمة أبيي لا يعني عدم تفجرها في المدى المنظور، بل يؤكد أنها عميقة وتحتاج إلى خطوات سياسية جريئة من الخرطوم وجوبا

يدور جدل حول انتماء قوات الدفاع الشعبي، وما تمثله من ركيزة خفية لفلول حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا والحركة الإسلامية السودانية، وما يمكن أن تساهم فيه لزيادة التصعيد بدلا من التهدئة. فانتشار القلاقل في ربوع البلاد، وإنهاك الحكومة في أزمات مترامية يعني عدم التفكير في تصويب القضايا السياسية في الخرطوم، ومحاولة فضح عجزها عن تسوية الملفات الحيوية القديمة بكل أنواعها، علاوة على تشتيت الجهود التي تبذلها السلطة الانتقالية مع الجبهة الثورية، كممثلة للحركات المسلحة، للتوصل إلى السلام الشامل، ومن بين مكوناته محافظتا جنوب كردفان والنيل الأزرق الواقعتان في جنوب دولة السودان، وشمال دولة جنوب السودان، وعلى مقربة من منطقة أبيي. وهي إشارة لا تستبعد استمرار التوتر على الخطوط الجنوبية للبلاد.

وتعد أبيي جسراً بين شمال السودان وجنوبه، وتسكن في شمالها قبائل المسيرية العربية، وتعيش جنوباً قبائل الدينكا الأفريقية، الأمر الذي يولد احتكاكات يومية كثيرة، بعضها كان يقود إلى تفجير مشكلات حياتية، ربما تظهر آثارها لاحقا على الأهمية الإستراتيجية التي تمثلها أبيي التي أدى تحويلها إلى منغّص دائم للخرطوم وجوبا إلى عدم الاستفادة جيدا من مواردها النفطية، والاقتناع بفكرة ترحيل عملية الحسم، وإسناد مهمة الأمن فيها لقوة دولية، مع ارتفاع معدل الشكوك في نوايا كل طرف.

شكلت الأمم المتحدة في يونيو 2011، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1990 قوة مؤقتة لحفظ السلام في هذه المنطقة يطلق عليها (يونسفا)، مكلفة برصد التوتر بين البلدين ومحاولة تطويقه. وتتمتع بصلاحية كبيرة لاستخدام ‏القوة في حماية المدنيين والعاملين في مجال المساعدة الإنسانية، على أن تبقى القوات العسكرية التابعة للبلدين خارج حزام أبيي.

في الوقت الذي حملت فيه جوبا قوات الدفاع الشعبي التابعة للجيش السوداني مسؤولية الأحداث الأخيرة بصورة أساسية، وجهت الخرطوم أصابع الاتهام إلى “يونسفا”، ووضعت على عاتقها وحدها مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية في المنطقة، بما يفتح النزيف لجرح آخر يتعلق بطبيعة الدور الأممي وما يمثله من إضافة أو عجز في قضية حفظ السلام.

مع ذلك لجأ مجلس السيادة السوداني إلى إقالة أحمد صالح صلوحة، رئيس إدارة أبيي، المعين من قبل السودان، في رمزية لمشاركته الضمنية في الأحداث مع بعثة “يونسفا”، وإبعاد التهمة عن الجيش وكل فروعه الرسمية بما فيها قوات الدفاع الشعبي، لأن الدخول في هذا الملف وما يتضمنه من عناوين سياسية يمكن أن يثير تساؤلات مكتومة حول مصير هذه القوات وأدوارها المختلفة في الولايات الجنوبية، ولماذا هي مستمرة في أداء مهامها حتى الآن؟

عودة أزمة أبيي إلى الواجهة تدق جرس إنذار قوي للخرطوم تحديدا
عودة أزمة أبيي إلى الواجهة تدق جرس إنذار قوي للخرطوم تحديدا

تصطحب هذه النوعية من التساؤلات أخرى لا تقل أهمية، تخص التوظيف السياسي والأمني لأزمة أبيي من جانب قوى تريد إحراج قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وحضها على الرحيل مع توالي التوترات وفشلها في السيطرة عليها، خاصة أن البيئة المحلية حافلة بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يكفي تفجير إحداها إلى تجدد الحرب الأهلية، وإفشال جهود السلام والتنمية بطول وعرض منطقة القرن الأفريقي.

أشار قرار مجلس الأمن رقم 1990، الذي صاغته الولايات المتحدة، إلى أن “الوضع الراهن في أبيي وعلى طول الحدود بين السودان وجنوب السودان لا يزال يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين”. وصدر بعد ذلك قرار آخر من مجلس الأمن تحت رقم 2492، ونص على “إبقاء المسألة قيد نظر أعضاء مجلس الأمن”، بما يعني وضع الولاية الأمنية خارج حوزة الخرطوم وجوبا لعدم العودة للصدام.

نوّه مجلس الأمن في أكثر من مرة إلى ضرورة علاج أزمة أبيي، لأنها تشكل تهديدا خطيرا للنظام الدولي، وتطفو على السطح كلما وجدت العوامل إلى ذلك، وتتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وجوبا بسبب الإخفاق في التوصل إلى حزمة من الترتيبات الإدارية والأمنية التي تكفل تسويتها بالمفاوضات، والتشديد على الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.

لا يعني تسكين الأزمة عدم تفجرها في المدى المنظور، بل يؤكد أنها عميقة ودقيقة وتحتاج إلى خطوات جريئة وحازمة وتفكير من خارج الصندوق يفرض تقديم تنازلات. وقد لا يستطيع الطرفان تحمل تبعات ذلك على المستوى الداخلي في هذه المرحلة، ما يجعلها أزمة مستمرة في خاصرة الدولتين، ويمكن أن تقفز عليها بعض القوى لتخريب تحركات السلام في البلدين.

كشفت أبيي عورات متباينة في جسدي نظامي الخرطوم وجوبا خاصة بمفهوم السلام. وأحرجت القيادة السياسية الساعية إليه في البلدين، حيث أخفقت في التوصل إلى تفاهمات تنهي الأزمة المشتركة في وقت يسعى كل طرف إلى جلب السلام في بلده. والأدهى أن جوبا نفسها ترعى وساطة بين الخرطوم والجبهة الثورية. ولا يزال الرئيس سيلفا كير متأرجحا، وغير قادر على التوافق مع غريمه رياك مشار لوقف الحرب السياسية والعسكرية بينهما تماما.

6