الخروج عن النص في المسرح القومي بالقاهرة

مسرحية "المعجنة"، مثل عنوانها، صورة ماجنة تلخص وجهة نظر صنّاع العمل في المجتمع المصري الراهن، القاهري على وجه الخصوص.
الاثنين 2018/12/17
الجرأة يمكنها أن تحيد عن الهدف الفني

من الخطأ بالتأكيد اتخاذ المعيار الأخلاقي، بالمعنى الاجتماعي، قانونا لقراءة عمل فني وتحليله، أو اعتباره ميزانا للمحاسبة، فبديهي أن تشوهّات الشخصيات مثلا وانحلالها وانحرافها وفسادها في المرآة الإبداعية هي انعكاسات من نوع خاص ولا يجوز اصطيادها إلا بالرؤية الجمالية الواعية المجردة. لكن ماذا لو كان العمل الفني يطرح على نفسه رسالة أخلاقية، ألا تصبح الأخلاق محورا تقييميا لهذا العمل كما في مسرحية “المعجنة”.

القاهرة - تتطرق مسرحية “المعجنة”، المعروضة حاليا في القاهرة، إلى قضايا جريئة تفضح عورات المجتمع الذي يعاني التفكك الأسري والتفسخ القيمي وتسوده العلاقات المبتذلة وغير المشروعة.

يتسم العرض بالثراء الفني والجودة الإنتاجية، على أن هناك مفارقة فجة بين انطلاقه من منصة أخلاقية، واحتفائه في الوقت ذاته بالإسفاف والخروج عن النص.

من الخطأ بالتأكيد اتخاذ المعيار الأخلاقي، لكن الأمر يبدو مختلفا إذا كان العمل الفني ذاته مشحونا حتى النخاع بأفكار أخلاقية صريحة ونصائح اجتماعية وإصلاحية مباشرة، فهنا تصير سقطاته وانتهاكاته للآداب العامة علامة استفهام حائرة.

يجوز اعتبار محاولة “الإمساك بكل الخيوط” أو بصيغة أكثر قسوة “الرقص على السلالم” سمة أولية لمسرحية “المعجنة”، المعروضة حاليا على المسرح القومي بالقاهرة من تأليف سامح مهران وإخراج أحمد رجب، فهي مسرحية التناقضات والوقوف في مفترق الطرق.

سفينة غارقة

تشكل المسرحية مغامرة مثيرة وحالة حراك حية لتفجير العديد من القضايا الشائكة والأمور المسكوت عنها في المجتمع بهدف وضع اليد على الجراح المتجذرة والسعي إلى تضميدها بمعالجة حقيقية وليس بمسكّنات زائلة.

وقد تمكن الإنتاج الجيد لفرقة المسرح القومي التابعة للبيت الفني للمسرح من توفير بيئة فنية ثرية للعرض الزاخم بالطاقات البشرية والسينوغرافيا والديكور والملابس والإضاءة والصوت والموسيقى والاستعراضات وغيرها من عناصر المسرحة المتفوقة في زمن الإبهار والتكنولوجيا، ومضت المسرحية قدما بكل طلاقة في تفجير براكينها الثورية الجريئة دون مواربة.

“المعجنة”، مثل عنوانها، صورة ماجنة تلخص وجهة نظر صنّاع العمل في المجتمع المصري الراهن، القاهري على وجه الخصوص، بما آل إليه من انحدار وتغييب للوعي وانخراط في التشرذم والشذوذ والفردية والأنانية وانعدام الضمير والفساد والعربدة والعلاقات الجنسية غير المشروعة وصولا إلى التفسّخ الأسري الكامل وغياب فكرة “البيت” أو مظلة الاحتواء والدفء الإنساني.

تأخذ المسرحية على عاتقها مسؤولية طرح حلول لهذه الكوارث ولمّ شمل العائلة من جديد، لكن انخراطها في تشخيص السلبيات ومسالك الانحراف وتصوير الآفات المجتمعية بإطالة غير مبررة أربك الحسابات الجمالية والفنية برمتها.

المسرحية مغامرة مثيرة وحالة حراك حية تفجر العديد من القضايا الشائكة والأمور المسكوت عنها لكن طريقة الطرح تناقش
 مغامرة مثيرة وحالة حراك حية 

البيت الذي تجسده مسرحية “المعجنة” ليس مجرد سفينة ضالة، بل سفينة متصدعة غارقة تماما، في الوحل وليس الماء. بداخل هذا البيت أسرة منحلة، فالأب الثري “عبده” بخيل وسكّير، يسيء معاملة زوجته المخلصة الشريفة “انشراح”، ويشكك في نسب ابنه “مفتاح” وابنته “حكاية” دون دليل سوى هجر زوجته له وعملها كمربية للطفلة “تحفة” بمنزل أبيها “الحلواني” المعروف بحسن الخلق.

يبادل الابن الفاشل والابنة المكبوتة المتعطشة للزواج أباهما القاسي العربيد الحقد والكراهية، ويرثان عنه الكذب والضعف أمام الشهوات والخصال السيئة، وفي إحدى الليالي يكتشف الأب وجود عشيق للابنة في غرفة نومها مختبئا تحت السرير “سمير”، وعشيقة للابن في غرفته “هدية”، ويخطط الأب للانتقام من أسرته، فيتزوج “هدية” عشيقة ابنه بعد إغوائها بالمال.

بعد مشاجرة عنيفة بين أفراد الأسرة، بحضور الطفلة “تحفة” ابنة الحلواني بصحبة الأم “انشراح”، يعتدي الأب على الطفلة، فتدعو عليه باللعنة والموت، فيستجيب الله لها، ويموت الأب دون أن يخطر أسرته بمكان ثروته وقيمتها في نهاية الفصل الأول، لتتحرك الأحداث في اتجاه آخر.

تستدعي الأسرة شيخا من الذين يحضّرون الجن، لمعرفة مكان الثروة، فيحضّر الشيخ “الذي يدعي بالكذب أنه ضرير” روح الأب في صورة ملك فرعوني بملابس تاريخية، ويتخذ القهر الأبوي شكلا أوسع وأبشع وأكثر جبروتا.

عناصر قليلة مضيئة

في خضم الأفكار التي يقدمها العرض عن التماهي بين السلطات الأبوية والدينية والكهنوتية والسياسية، ومعاناة الرعية من جراء هذه القوى المتجبرة، وقدرة الفرد على اكتشاف ذاته من جديد إذا تسلح بالجرأة والمكاشفة والثقة، وما إلى ذلك من إضاءات وسبل إصلاحية لمواراة العورات المجتمعية التي يفضحها، فإن العرض ذاته يبدو مناصرا لما هو فضائحي، خصوصا في فصله الأول.

يحفل تمثيل الانحراف الأسري بالعديد من المشاهد الخارجة عن القيم المجتمعية، من حيث الملابس الفاضحة والإشارات الموحية والعبارات الخارجة والدلالات الجنسية المقحمة المسيطرة على جزء كبير من الحوار دون مبرر درامي سوى الابتذال كغاية بحد ذاته، وهو الأمر الغريب بعض الشيء، فحتى مبرر الاجتذاب الجماهيري يبدو ساذجا، وتؤدي مثل هذه السقطات إلى انصراف روّاد المسرح القومي ذي التقاليد العريقة عن العرض، ويكاد يعمل ضد ذاته وعكس توجهه.

ما يُحتسب للعرض تفوقه في بعض الجوانب والعناصر، منها ما يخص التقاط سمات الخلل في المجتمع ومسبباتها الفوقية والذاتية في آن وسبل تجاوزها، وما يتعلق بجماليات الأداء المسرحي وآلياته وتقنياته، ومن ذلك الأداء التمثيلي لناصر شاهين في شخصيتيه: الأب والفرعون، والديكور البارع والأزياء والإضاءة للمصمم صبحي السيد، سواء في منزل الأسرة في الفصل الأول، أو في المعبد الفرعوني الذي احتوى الشخصيات التاريخية في الفصل الثاني.

جاءت استعراضات ميزو التي لحنها أحمد حمدي رؤوف وكتبها طارق علي لتضيف سيولة وحركية إلى الأفكار والأطروحات الذهنية كما في “يا بيت حيطانه مايلة آيلة للسقوط”، كما جرى توظيف أغنية علي الحجار “أنت المدد” في نهاية العرض بشكل جيد يفيد الدراما، بعدما عادت “حكاية” إلى أسرتها.

تنشد مسرحية “المعجنة” الهدف مباشرة وتسبح ضد التيار، كانت ستكسب الكثير لو كثفت رؤيتها في وقت أقل منزوعة منه الإباحية الخادشة.

14