الخروج من الفوضى

الخميس 2013/08/15

تتعاظم فوضى الآراء والأفكار والممارسات في الشارع الليبي، لتضيف مزيدا من الفوضى الموجودة في الحراك السياسي ولدى أهل القيادة في البلاد.

كما تختلف وتتناقض الشعارات التي يرفعها الشارع، عدا التوافق الطبيعي حول إدانة العمليات الإرهابية والمطالبة بتوفير الأمن في البلاد، فإن الاختلاف والتباين يطال كل شيء آخر، فهناك من يطالب بدستور جديد وآخر يطالب بالعودة لدستور الاستقلال، وهناك من يريد وضعا اتحاديا فدراليا وهناك من يريدها دولة مركزية، وهناك نداءات تطالب بحل المؤتمر الوطني وأخرى تطالب باستمراره، ونداءات تطالب بإقالة الوزارة، وأخرى تطالب باستمرارها، وثالثة تطالب بإعادة النظر فيها.

هناك طبعا الفوضى الأخرى، وهي أكثر خطورة من كل سابقاتها، وهي التي تطال الجماعات المسلحة، والفصائل التي شاركت في الثورة، والتي لم تتوقف الصدامات بينها، وآخرها حصل في سرت، وقبلها في طرابلس، عدا ما حصل في مدينة الثورة بنغازي، وما يحصل في مدن الدواخل ومدينة درنة مثالا.

الفوضى ليست حالة تنشأ فجأة، بل تأتي عبر تراكم في الأخطاء والممارسات والإدارة، وأداء الجماعات الحاكمة والمحكومة يؤدي إلى هذه الفوضى، التي تتفاقم وتصل إلى مستويات خارج نطاق السيطرة، ولكنها ليست خارج نطاق الدعاوي التي ترتفع لإحلال المصالحة بدلا من الخلاف، والعقل بدلا من الحماقة والتعصب.

وبداية أقول أنه لا زال في ليبيا ركنا الشرعية وهما المجلس الوطني العام الانتقالي والحكومة المؤقتة، وكلاهما جاء وفق صيرورة ديمقراطية، فالمجلس هو نتاج انتخابات نزيهة شفافة، والحكومة المؤقتة هي نتيجة انتخاب أيضا، ليس على مستوى القاعدة الشعبية، ولكن كما هو الحال في كل حكومات العالم الديمقراطي، انتخابات عبر المجلس الوطني، وجاءت حكومة علي زيدان بعد فشل حكومتين مرشحتين هما حكومة أبو شاقور وحكومة البرعصي، الذي جاء به التوافق نائبا لرئيس الوزراء قبل استقالته أخيرا.

واعتقد أن أي محاولة لفكّ هذين الصرحين، أي المجلس الوطني العام والحكومة المؤقتة، لن تزيد الفوضى إلا استفحالا، دون وجود بدائل تمثل الشرعية، بل سينشأ فراغ لن نعرف القوة التي ستكون مؤهلة لملئه، وستأتي من المجهول ولن تكون لها شرعية مهما كانت قوية ;قادرة على فرض إرادتها، ولا ضمان ولا أمان ولا سبيل إلا بالإبقاء على الوضع الشرعي متمثلا في هذين الكيانين، مع اعترافنا بضعفهما وما لحق بهما من عوار.

وإذا قلنا بأن بقاءهما ضرورة لتثبيت أركان الشرعية، فإن هذا البقاء لابد أن يكون مسنودا ومدعوما بأفكار خلاقة، وأطر لا تنقص من الشرعية وإنما تضيف إليها. وقد أوصلت اقتراحا لرئيس المجلس السابق ونائبه، وعرضته على عدد من أهل الحراك السياسي ولاقى قبولا وتشجيعا من عدد من أهل الفكر والثقافة، وهو إنشاء مجلس استشاري، يقوم مقام الشيوخ بالنسبة للنواب.

وباعتبار المؤتمر الوطني العام، يحمل صيغة البرلمان، فنحن نعرف أن لمثل هذا البرلمان غرفتين، إحداهما لإصدار التشريعات والثانية لا حق لها في إصدار هذه التشريعات ولا إقرارها ولكن فقط مراجعتها وإعادتها إلى المجلس لإعادة النظر فيها إذا وجد بها عوار، وليس هناك في الدستور أو القانون ما يمنع المؤتمر الوطني الانتقالي من ترشيح فعاليات فكرية وسياسية وأصحاب حكمة وخبرة على مستوى العالم استعانت بهم مؤسسات دولية، وأستطيع هنا أن أضرب مثلا بالدكتور علي عتيقة، أو الأستاذ عبد الله شرف الدين، أو الأستاذ سالم عميش والأستاذ علي عميش والأستاذ عبد الله السعودي والأستاذ ابراهيم الهنقاري والأستاذ مفتاح السيد الشريف. وهناك وزراء من ذوي الخبرة الطويلة من العهد الملكي أمثال السادة مصطفي بن حليم وبشير السني المنتصر وعبد المولى لنقي وعلى حسنين، ومرحبا بأية أطر أخرى مثل مجالس المصالحة التي تقام على مستوى قبلي أو غيرها، فهي تمثل استثمارا للموارد البشرية في ليبيا، وتتيح الاستعانة بأكبر ما لدى ليبيا من أهل الخبرة لتعمل بمثابة غرفة ثانية وتقوم بدعم المجلس وترسم معه خريطة الطريق دون أن تكون لها علاقة بصنع القرار.

ولدعم الحكومة المؤقتة يمكن أيضا خلق لجان خبرة كما نرى في الغرب فيما يسمى Think tank وBrain stormin. وهي لجان تعمل في مطابخ القطاعات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، تكون فيها الأغلبية والسيطرة للعناصر الوطنية والخبرات المحلية، ولكن لابد من الاستعانة بخبرات من الأمم المتحدة، في المجالات نفسها.

نتمنى لهذا الإطار الشرعي المتمثل في المؤتمر الوطني العام، والحكومة المؤقتة السير مرفودا بهذا المجلس واللجان التخصصية المحلية لإدارة البلاد في المدة التي تنتهي في شهر فبراير القادم، وأن ويقوم هذا الإطار الشرعي برفع درجة الأداء، وأن يسرع حثيثا لتقريب المرحلة الختامية، وذلك بالانتهاء من تأسيس الأركان الدائمة للدولة في الموعد المحدد، أي إنجاز الدستور وقانون الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإجراء الانتخابات، لتتم في الثامن من شهر فبراير المقبل عملية استلام وتسلم بين الإطار الشرعي المؤقت والإطار الشرعي الثابت والدائم بإذن الله.

9