الخروج من حمص بحثا عن الحرية

السبت 2014/05/10

يعتبر الاتفاق الأخير بين مقاتلي المعارضة السورية ونظام الأسد والذي أفضى إلى خروج المقاتلين من أحياء حمص القديمة الأول من نوعه منذ اندلاع الثورة. وذلك رغم التشابهات الكبيرة مع ما بات يعرف بـ”الهدنة” التي عقدتها عديد البلدات مع قوات النظام في الأشهر الماضية.

بعد ثلاثة أعوام من القتال مع قوات الأسد المدعومة من قبل إيران وروسيا وحزب الله، أجبرت سياسة الحصار والقصف المتواصل، بعض المناطق السورية المحاصرة على عقد “هدنة” مع قوات الأسد. وكانت الهدنة تؤدي إلى إدخال بعض المواد الغذائية للمناطق المحاصرة، وعودة المدنيين إلى بيوتهم في ظل وقف متبادل لإطلاق النار. كما شملت بعض الهدنات تبادلا للأسرى والمعتقلين بين الجانبين وتسليم السلاح الثقيل في بعض المدن. لكن أيا منها لم تتضمن خروج المقاتلين من الأحياء المحاصرة، وهو ما حدث في الأيام الماضية لأول مرة مع خروج المقاتلين من أحياء حمص القديمة.

لأحياء حمص خصوصية في الثورة. فهي أول مدينة حملت راية الثورة السورية من درعا التي أطلقت شرارة الاحتجاجات. فبعد أن اجتاح الجيش السوري مدينة درعا للإجهاز على المظاهرات السلمية ولبث الرعب في قلوب السوريين، عمت المظاهرات السلمية مختلف مناطق مدينة حمص، وواجه ثوار حمص قوات الأسد والشبيحة بصدور عارية وقدموا تضحيات حفّزت بقية المدن السورية على الانضمام للثورة. في 18 أبريل 2011، أي بعد شهر من اندلاع الثورة، تجمع عشرات الآلاف من سكان مدينة حمص في أشهر ساحة في المدينة “ساعة الساحة”، ونفذوا اعتصاما استمر ساعات طويلة قبل أن تتدخل قوات الأمن لفضه بالرصاص الحي، ولترتكب مجزرة سقط فيها مئات الشهداء والجرحى. وبات هذا اليوم خالدا في تاريخ المدينة.

كان صمود “الحماصنة” يثير إعجاب السوريين، فهم أبدوا ثباتا مذهلا في مواصلة الاحتجاجات السلمية رغم أن أعدادا كبيرة من الشهداء كانت تسقط يوميا. ما دفع قوات النظام إلى دخول بعض الأحياء لأول مرة في شهر أيار. وبعدها بشهرين اجتاح الجيش السوري أحياء المدينة، ونفذ حملة مداهمات وقتل عشوائي، لتبدأ بعد ذلك نواة الجيش السوري الحر تتشكل في حمص، وكان هدف العمل المسلح حماية التظاهرات السلمية.

وشهد مطلع 2012 بعد أن اشتد عود الجيش الحر، أعنف حملة عسكرية من قبل قوات النظام على المدينة، تخللها قصف عشوائي بالمدفعية والطيران الحربي. وتوالت المجازر التي راحت قوات النظام ترتكبها، وفي حين نجحت في دخول بعض أحياء المدينة بالقوة، فإنها عجزت عن دخول مناطق أخرى بقيت تحت سيطرة الجيش الحر منذ ذلك الوقت. وها هي قوات النظام تستعيدها اليوم باتفاق أشرفت عليه الأمم المتحدة ليكشف عجزها عن اقتحام تلك المناطق بالقوة وبعد عامين على حصارها. لكن الاتفاق كشف أيضا حالة الإنهاك التي باتت تسيطر على مقاتلي المعارضة لتجبرهم على الخروج من المدينة التي دافعوا عنها وصمدوا فيها نحو عامين. هكذا فإن على مقاتلي المعارضة وقوى الثورة بصورة عامة أخذ العبر مما حصل، لتفادي وقوعه مجددا في مناطق أخرى.

في هذا السياق، استذكر الناشطون السوريون بحزن عام 1982، عندما خرجت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت باتفاق أشرفت عليه الأمم المتحدة. إذ هاجمت إسرائيل بيروت بكل أنواع الأسلحة ومن كل مكان، تماما كما فعل النظام السوري مع حمص. وعززت عمليات القصف بفرض حصار قطع إمدادات الغذاء والمياه والكهرباء، وهو ما فعله النظام السوري أيضا.

وفيما حظيت إسرائيل بدعم من الحلفاء وبصمت مطبق من قبل العالم، بالكاد حظي الفلسطينيون بمساندة معنوية من الدول العربية. تماما كما جرى مع ثوار حمص الذين قبعوا في الحصار دون دعم، في ظل صمت مريب من قبل “أصدقاء الشعب السوري” الذين اكتفوا بمشاهدة المجزرة، وإدانة نظام الأسد الذي تلقى كل أنواع الدعم من حلفائه، بدءًا بالسلاح والمال والمقاتلين، وانتهاء بالحماية الدولية في مجلس الأمن.


كاتب فلسطيني- سوري

9