الخروج من صندوق باندورا

الأحد 2016/04/24
لا شيء يتغير

وأنا في الحادية عشرة من العمر قُتل محمد الدرة، ربما كان هذا أول حدث فعلي أشعر به في سنوات عمري القليلة، لم أكن أكتب ما يُعرف شعرًا بعد، لكنّي كتبت خواطر تُندد بالحدث حتى إذا خرجت في مظاهرة من تلك التي كانوا يرتّبون لها في المدرسة ألقي بخواطري أمام السفارة الإسرائيلية القريبة من مدرستنا، ظننت وقتها أن خواطري يُمكن أن تهز قلوب من يسمعها وتغيّر أيّ شيء.

عندما أصبحت في الثالثة عشرة سقطت بغداد، لم أفهم وقتها كثيرًا ماذا يعني دخول الجيش الأميركي إلى العراق، لكن الخوف انتقل إليّ من صديقة أكبر بقليل كانت تبكي في طابور الصباح وهي تردد أن كل شيء انتهى، بدأت تدريجيًا أفهم قصدها حين نُشرت صور من داخل سجن أبو غريب، كنت أبكي وأنا لا أفهم لماذا لا يطلب رئيسنا من بوش أن يوقف الأمر، أليسوا أصدقاء!

لم يعد لي شاغل وقتها سوى قراءة كل ما يتعلق بالأمر، أتذكّر قصيدة طويلة لفاروق جويدة عما حدث للفتيات داخل السجن من هتك عرض، تأثرت جدًا بها، وبدأت أكتب قصائد على غرارها، وتمنيت أن أجد وسيلة لنشرها في أيّ جريدة، لعل أحد المسؤولين يقرأها ويتأثر، لعلني أغيّر شيئا.

ثم صرت أكبر.. في الثانية والعشرين، وحينها بدأت أيام الربيع العربي، الجميع يكتبون عن السعادة بسقوط الدكتاتوريات والجنّة التي سنشهدها في السنوات المقبلة، لكن بعد أشهر قليلة لم نرَ أيّ جنّة، بل صارت هناك دماء، الدّماء لم تعد مقتصرة على فلسطين أو العراق، الدّماء صارت في سوريا وليبيا واليمن، العدو لم يعد إسرائيل أو الجيش الأميركي، بل صار سلطة وتعصبا ومذاهب مختلفة وجهلا، الجميع يكتبون عن ضرورة تقبل الآخر ومحاولة الفهم بهدوء، ولا شيء يتغير.

يُمكنك أن تكتب خواطر وأشعارا وروايات وكتبا كاملة عمّا يحدث وكأنك تقف على قمة جبل وحدك دون تأثر من أحد، كبرت كثيرًا وصرت أفهم أن الكتابة لن توقف دماء، ولن تثني عدوًا، ولن تمنع العالم من السقوط، لكنها على الأقل ستجعلنا نعاتب العالم ونحن نكتب عن بشاعته ونرفع الأوراق أمام عينه ونقول له "هذا صنيعك"، كبرت والحروب والدّمار والقبح لا يتوقف عن الخروج من صندوق باندورا، لكن هناك في قاع الصندوق صوت لا يزال ينادي ولا يمكننا تجاهله "أنا الكتابة، لا يمكنني تغيير العالم، لكنّي على الأقل أجعله يبدو أجمل".

كاتبة من مصر

13