الخروج من مجموعة عائلية على واتس آب من المحرمات الاجتماعية

يقبل الكثيرون على تطبيق واتس آب نظرا لأنه يتيح لهم التواصل وتبادل الأخبار والصور مع الأهل والأصدقاء في جميع أنحاء العالم بطريقة سلسة ورخيصة، ولوحظ في السنوات الأخيرة انتشار المجموعات العائلية على هذا التطبيق، ورغم المزايا التي تتمتع بها هذه المجموعات، إلا أنها بالنسبة للكثيرين لا تتعدى كونها قيدا من القيود الإجتماعية سواء بالانضمام إليها أو الانسحاب منها وما يثيره ذلك من خلافات أسرية.
الخميس 2017/09/07
من سيغضب الآن؟

أصبحت المجموعات العائلية على واتس آب تتمتع بأهمية قصوى، باعتبارها وسيلة للتواصل بين الأقرباء، ولم شمل العائلة الموسعة وإحياء صلة الرحم ولو كان ذلك إفتراضيا، إلا أن الكثيرين وخاصة الشباب والمراهقون يرون أن هذه التجمعات ليست إلا مصدرا للقلق والإزعاج ولا فائدة ترجى منها، وتفتقد إلى الضوابط الأخلاقية التي تضع حدا للتدخل في خصوصياتهم.

ولا يقف الإنزعاج عند هذا الحد، بل يتعداه إلى المشاكل التي يمكن أن تحدث بسبب إقدام عضو من المجموعة على الإنسحاب منها، حيث يمثل ذلك بالنسبة لباقي أفراد العائلة خاصة النساء تمردا لا يتقبلنه، مما يتسبب في خلافات أسرية لا تحمد عقباها.

ومن خلال استطلاع للرأي أجرته “العرب”، لوحظ أن هذه الظاهرة تقلق الشباب والمراهقين الذين يعتبرون أن التجمعات العائلية على واتس آب وسيلة تجسس على خصوصياتهم من قبل المقربين خاصة الخالات والعمات نظرا لما يمكن أن تجلبه لهم من انتقادات هم في غنى عنها، وقد تتسبب لهم في الإحراج وتؤثر على نفسيتهم الهشة.

ويشكو بعض الشباب من تورطهم في العديد من التجمعات العائلية، وعدم قدرتهم على مغادرتها إرضاء للمقربين منهم وخاصة العمات والخالات اللاتي يولين أهمية قصوى لتواجدهم في هذه المجموعات.

وأوضحوا أنه رغم عدم أهمية ما يتم تداوله ونشره بين أفرادها، إلا أنها تجابه الذين يفضلون الإنسحاب بتشدد ويعتبرونه من المحرمات الإجتماعية.

لكل عصر تطلعاته وجيل اليوم غير جيل الأمس يبحث عن مرشدين وأصدقاء من عالم مغاير وسهلت مواقع التواصل الاجتماعي عليه ذلك

ويرى البعض الآخر أن الموضوع مرتبط بانتقال العقلية المحافظة لكبار السن إلى التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، بإعتبارهم أكثر من يرفض هذا الإنسحاب، التي يمكن القول إنها خرجت عن السياق الذي وضعت لأجله.

وتساءلوا عن علاقة التماسك العائلي بهذه التجمعات التي لا تنشر سوى التفاهات، حيث لا يعتبرها البعض ذات أهمية نظرا لكم المشاكل التي من الممكن أن تثيرها، كما أنها تمارس عليهم نوعا من القيود الاجتماعية سواء كانوا أعضاء فيها أو خيروا الانسحاب منها مما يسبب لهم التوتر والشعور المتواصل بالانزعاج باعتبارها تحد من حريتهم الشخصية.

وقالت أحلام عياري موظفة بشركة خاصة إن “المجموعات العائلية على واتس آب من أكثر وسائل التواصل الاجتماعي إزعاجا”، موضحة “أكثر ما يسبب لي المضايقة هو قيام أحد أفراد العائلة خاصة الموسعة بإضافتي إلى مجموعة تتناول أخبارا وأحاديث لا فائدة منها وتحاول متابعة أخبار الجميع، وإذا قررت الانسحاب أصطدم بمعارضة الجميع وبالكثير من المشاكل”

وأضافت “رغم الدور الذي تلعبه مثل هذه التجمعات في تقريب المسافات وتبادل الآراء ووجهات النظر بين أفراد العائلة الموسعة، إلا أنها قد تتجاوز هذا الدور لتصبح وسيلة إزعاج للكثيرين الذين يفضلون مغادرتها تجنبا للرقابة التي يمارسها من تتوفر لهم أوقات فراغ وليس لديهم أي عمل سوى انتقاد بقية الأفراد، ولا تقتصر الجوانب السلبية لهذه التجمعات على المراقبة والتجسس بل تثير مشاكل أخرى إذا قرر أحد الأفراد الانسحاب منها، وهو ما لا تتقبله بقية أفراد العائلة ويعتبرونه تمردا وقطعا لصلة الرحم”.

وقالت لبنى صالحي ربة بيت من تونس لـ”العرب” “هذه المجموعات قد تكون سببا في الفرقة بين أفراد العائلة أكثر مما تجمعهم وقد تتوسع المشاكل وتتجاوز حدود جدران المنزل خاصة بين الزوجين، فيسمح بذلك لتدخل الجميع في خلافاتهما مهما كانت بسيطة، مما يتسبب في تفاقم المشكلة، وتصبح بمثابة الحلبة لتداول النصائح والجدال بين أهل الزوجة وأهل الزوج، وتزداد المشكلة إذا قرر الزوج أو الزوجة الانسحاب فيغضب الجميع”.

أما الشاب أسامة السلامي فيقول إنه قرر الانسحاب من مجموعة عائلية على واتس آب بعدما تسببت تعليقات لم ترق له على موضوع يعتبره شخصيا في إزعاجه، وتم تتداوله على نطاق واسع مما سبب له الإحراج.وأشار السلامي إلى أن غضب عماته وخالاته وبناتهن لا يعنيه، المهم ألا يتعدى أي أحد على خصوصياته ولا يتم التشهير بها.

المجموعات العائلية على الواتس آب فرصة لمعالجة التكنولوجيا بالتكنولوجيا

وبسؤاله عن غضب نساء العائلة أكثر من رجالها بسبب خروجه من المجموعة أوضح قائلا “هذه التجمعات تعتبر بالنسبة للكثيرات وخاصة منهن ربات البيوت وسيلة ناجعة لملء الفراغ الذي يطغى على حياتهن وكسر الروتين الذي يعشنه، بالاطلاع على الأحداث اليومية لأفراد العائلة وهي بذلك تلبي فضولهن وتعزز رغبتهن في الاطلاع على خصوصيات الجميع، لذلك يرين أن خروج أحد الأفراد إحتقارا لهن كما أنهن يفقدن واحدا من مصادر الأخبار المهمة بالنسبة إليهن”.

ويقول حسان بن عمار موظف في أحد البنوك بتونس لـ”العرب”، “هذه التجمعات العائلية لها إيجابيات إذا تم استغلالها بصورة مضبوطة وكانت لها حدود لا تتعدى الحديث العام والإطمئنان عن باقي أفراد العائلة دون التطرق إلى الخصوصيات والاحاديث الشخصية فلا بأس بذلك”. ويضيف قائلا “في مجتمعاتنا العربية التي يسيء فيها الكثيرون فهم مغزى التكنولوجيا الحديثة حيث تصبح قيدا يستغله البعض لنقل خصوصيات أفراد الأسرة الواحدة، وبمجرد ألا يتقبل أحد الأفراد مثل هذه السلوكيات ويفضل الانسحاب، يعتبر متمردا على قواعد العائلة ولا يرغب في التواصل معهم ويتهم بقطع صلة الأرحام”.

كما يشير إلى أن عدم الإنضمام إلى مثل هذه المجموعات التي لا تحترم قواعد الخصوصية وتنقل كل شيء وتتداول جميع المواضيع دون وضع حدود للتحاور، يوفر راحة نفسية وفكرية، وذلك بتجنب المشاكل التي قد تتسبب فيها، والتي قد تولد خلافات أسرية يصعب إصلاحها. ويرى بن عمار أن التكنولوجيا الحديثة سهلت عمل الفضوليات اللاتي يسعين إلى معرفة كل ما يحدث صلب العائلة دون حدود.

واعتبرت نعيمة رحومة طالبة اختصاص تربية طفولة في تونس أن “المجموعات العائلية على الواتس آب فرصة لمعالجة التكنولوجيا بالتكنولوجيا”، موضحة أن “مجموعات الواتس آب العائلية للأسف يمكن أن تكون أيضا بوابة افتراضية يستغلها بعض الأهل والأقارب للتطفل على بعضهم البعض، مما قد يكون سببا مباشرا في نشوب العديد من الخلافات العائلية التي تصل أحيانا إلى حد القطيعة الافتراضية بالانسحاب من هذه المجموعات ومن العلاقات الواقعية المباشرة”.

وأوضحت “لكل عصر تطلعاته وجيل اليوم غير جيل الأمس يبحث عن مرشدين وأصدقاء من عالم مغاير وسهلت مواقع التواصل الاجتماعي عليه ذلك، ولهذا فإن وجوده ضمن مجموعات عائلية من شأنه أن يضيق عليه الخناق ويجعله مشدودا إلى عالمه الواقعي”.

21