الخروف الرمادي رمز للإنسان العربي البريء

الفنان السوري ماهر البارودي يسير على خطى ابن المقفع وجورج أورويل ولافونتين من خلال لوحات تحضر فيها الحيوانات لتعبر عن جوانب سياسية واجتماعية وثقافية.
الأربعاء 2018/05/02
مصير الإنسان في أرض الشرق

كان الفنان السوري ماهر البارودي، المقيم في مدينة ليون الفرنسية منذ عام 1979، والذي يملك تجربة فنية مغايرة في رسوماته ومنحوتاته، من أبرز المشاركين في أيام الفنون والحوار بين الثقافات التي انتظمت بمدينة الحمامات التونسية في الأسبوع الأخير من شهر أبريل من هذا العام. “العرب” التقت بالفنان في حديث حول تجربته في عوالم التشكيل.

بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة بدمشق، سافر الفنان التشكيلي ماهر البارودي إلى فرنسا لينتسب إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة بمدينة ليون. وفي عام 1983 أحرز على منحة خوّلت له إمضاء سنة في باريس تعرّف خلالها على الحياة الفنية هناك، مكتسبا تجربة ثرية وعميقة. بعدها عاد إلى مدينة ليون ليصبح من أبرز وأشهر وجوهها الفنية.

وقد عرضت لوحات ماهر البارودي في العديد من كبريات المدن الفرنسية. كما عرضت في ألمانيا وإيطاليا وتونس وروسيا والإمارات العربية المتحدة وسويسرا، وغيرها.

مصير الشرق

يقول ماهر البارودي إنه “ابن الحروب والانقلابات العسكرية”، ففي طفولته عاشت سوريا العديد من الانقلابات العسكرية التي كانت تجبره وتجبر عائلته والسوريين جميعا على العيش في خوف دائم. لذلك ظلت راسخة في ذاكرته صور العسكريين وهم يعنفون ويروّعون الناس في الشوارع، ويداهمون البيوت في ظلام الليل، وينصبون المشانق في الساحات العامة.

لوحات تعبر عن شقاء الإنسان وعذاباته في الشرق، أرض العنف، والحروب والخوف الدائم الجاثم على القلوب

 كما تأثر الفنان وهو طفل بمحنة أخيه الأكبر الذي أصيب بالجنون، وفي كل أسبوع كان يصطحب عائلته لزيارته في المصحة العقلية. وكل هذه الأجواء ستؤثر فيه، وستنعكس على مجمل اللوحات التي سيرسمها في ما بعد، لتكون هذه اللوحات معبرة عن شقاء الإنسان، وعن العذابات التي يقاسيها في أرض الشرق، أرض العنف، والحروب والخوف الدائم الجاثم على قلوب الناس.

وكان ماهر البارودي (وهو من مواليد عام 1955) طالبا في كلية الفنون الجميلة بدمشق لما حدثت مجزرة “تل الزعتر” في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية. ومتأثرا بها رسم لوحة تجسد تلك المجزرة الرهيبة. كما رسم لوحات أخرى تعيد إلى الذاكرة مجازر أخرى حدثت في بلاد الشرق في مراحل مختلفة من التاريخ.

وفي لوحة بديعة حملت عنوان “تحية إلى الحكام”، رسم رجالا على شكل وحوش ضارية وأمامهم تنتشر جثث ضحاياهم بينما هم يقهقهون مهنئين بعضهم البعض بالنصر العظيم. ويقول ماهر البارودي إنه أراد من خلال هذه اللوحة رسم الصورة البشعة للحكام العرب الذين يقتلون شعوبهم ويهينونها ويذلونها ويسلطون عليها يوميا شتى أنواع المظالم الرهيبة.

كما رسم ماهر البارودي لوحات أخرى من وحي مصير الإنسان في أرض الشرق. وعلى جميع هذه اللوحات يطغى اللون الرمادي، لون الكآبة والحزن واللوعة، والعذاب بشتى مظاهره. وقد جسد ذلك من خلال أشجار مقطوعة الغصون ومدمرة، وطيور ميتة ومداسة بالأقدام، وأياد مشوهة، وكائنات غريبة لها أشكال مخيفة لا نعرف إن كانت بشرية أم حيوانات.

الخروف رمز للحاكم العربي الساذج والغبي
الخروف رمز للحاكم العربي الساذج والغبي

يأس الخراف

في مرحلة متقدمة من مسيرته الفنية رسم ماهر البارودي لوحات تحضر فيها الحيوانات لتعبر عن جوانب سياسية واجتماعية وثقافية في بلاد الشرق تماما مثلما فعل ابن المقفع في”كليلة ودمنة”، والشاعر الفرنسي لافونتين، والكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة “مزرعة الحيوانات”.

فالخنزير مثلا هو رمز التعفن والتوحش والغطرسة، وغير ذلك من المواصفات التي يتميز بها طغاة الشرق القدماء والمحدثون. والببغاء رمز لكل من يردد كلام غيره من دون أن يفقه معانيه ودوافعه ورموزه وتداعياته. وقد يكون هذا الببغاء مثقفا أو كاتبا شرقيا انتهازيا لا يبدع الأفكار، بل ينتحلها، ويرددها بغباء محاولا أن يقنع الناس بأنها من ابتكاره. وربما يكون هذا الببغاء رمزا لحكام صغار وتفهاء وجهلة يسعون إلى فرض سلطتهم ونفوذهم من خلال تقليد عظماء الحكام.

من خلال الحيوانات يعبر الفنان عن جوانب سياسية واجتماعية وثقافية في بلاد الشرق تماما مثلما فعل ابن المقفع
 

وفي لوحات أخرى يحضر الخروف كرمز للإنسان العربي البريء الذي تنتهك حقوقه، وبه يضحى في الحروب والنزاعات من أجل النفوذ والفوز بالسلطة ليكون من جديد ضحية لمظالم أخرى قد تكون أشد إيلاما من المظالم السابقة. ومثل الخروف، يجد الإنسان الشرقي نفسه مجبرا على الطاعة، وعلى مسايرة القطيع حتى لو أدى به ذلك إلى الموت، والسقوط في الهاوية.  بل قد يكون الخروف رمزا للحاكم العربي الساذج والغبي الذي يرغب في أن يظهر أمام شعبه بمظهر الحاكم القوي والمحنك.

ويقول ماهر البارودي إن فنه هو “فن الإدانة”؛ إدانة العنف والحروب والمظالم والمجازر، وفضح الطغيان، وتعرية الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في أرض الشرق التي لا يزال فيها الإنسان مجبرا على أن يعيش مقيدا بالعديد من المحرمات السياسية والدينية والاجتماعية التي تفرض عليه أن يكون شبيها بالعبد الفاقد لأدنى حرياته الشخصية. ويضيف البارودي قائلا إن الفنان الحقيقي في نظره لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال محايدا. ورغم أنه يعيش بعيدا عن بلاده، فإنه يشعر أنه شديد الارتباط بها، بل إنه يشعر أنه يعيش محنها وعذاباتها اليومية.

عن ماهر البارودي كتب الناقد الفرنسي فيليب ريفيار يقول “ماهر البارودي ليس تراجيديا، وليس حزينا ومضجرا. ماهر يقول لنا في كل لحظة إن وضع الأشياء، ووضع العالم، مثير لليأس، لكن في نفس الوقت يجانب العبثي، والمثير للغرابة والسخرية والامتعاض، الظلم ومأساة الإنسان اليومية”.

14