الخريف موسم الأعراس في سلطنة عُمان

وجد الشعب العماني حلولا لمجابهة تكاليف الزواج منذ القدم في إطار تكافل اجتماعي يزيد من الترابط بين الأقارب والجيران، فيقدمون للعريس مبلغا ماليا كل حسب قدرته على أن يعيده إليهم في أفراحهم ومسراتهم سموه “المصابحة”، ويقدمون للعروس أشياء عينية وأدوات الزينة والأواني الخزفية كهدايا من أهلها وأقربائها وصديقاتها.
الجمعة 2016/09/23
الجماعة تخفف العبء

صلالة (عمان) - تعد ظاهرة "الجميل" أو ما يطلق عليها محليا “المصابحة” أو "المغبور" من العادات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال بمحافظة ظفار، وذلك في مناسباتهم الخاصة بالأعراس، وهي من العادات الحسنة التي تشجع على مبدأ التكافل والتراحم، ووسيلة لتيسير تكاليف الزواج من خلال مبلغ نقدي يدفعه الأهالي للعريس كل حسب استطاعته.

وتكثر ظاهرة “الجميل” أو “المصابحة” في الأعراس بمحافظة ظفار، خصوصا خلال موسم الخريف الذي يضفي طقسه المعتدل وتألق الطبيعة واخضرار الأرض بهجة وجمالا على مناسبات الأفراح، التي تقام في هذا الفصل الذي يمكن أن يطلق عليه أيضا موسم الأعراس، نظرا لما يتميز به من خصوصية مناخية، حيث تنتشر خيام الأعراس في الساحات العامة أو بجوار الجوامع للاحتفال واستقبال المهنئين.

ولـ“المصابحة” دور فعال في تعويض ما أنفقه العريس على متطلبات وتجهيزات العرس من مهر ووليمة واستئجار الخيام وصالات الأفراح وفرق الفنون التقليدية وغيرها من الأمور الأخرى.

ويزداد المبلغ الذي يتم الحصول عليه من “المصابحة” أو الجميل حسب تواصل الفرد مع المجتمع والحضور المسجل في المناسبات المختلفة سواء من العريس أو والده، وفي أحيان كثيرة يتطلب الأمر الاستعانة بأكثر من كاتب لتدوين أسماء الأشخاص في سجلات الجميل الذين يصطفون في طوابير طويلة لدفع المبلغ، وتحفظ هذه السجلات التي تحمل أسماء الأشخاص المساهمين في المصابحة لدى العريس أو والده الذي يقوم من جانبه بإرجاع المبلغ للأشخاص في أفراحهم.

هناك الكثير من المقتدرين ماديا أصبحوا لا يأخذون مبلغ "المصابحة" مع حرصهم الدائم على دفعه في جميع المناسبات الاجتماعية

وتأصلت هذه العادة مع مرور الوقت، وأصبح الشباب أكثر اهتماما وحرصا على استمرارها، فتراهم يقدمون مساهمات لأقاربهم وأصدقائهم في أفراحهم تتضمن مبالغ نقدية وهدايا قيمة. ولا تقتصر عادة “المصابحة” على الرجال فقط، حيث أن النساء من أقارب العريس والعروس يقمن أيضا بتقديم الهدايا والمبالغ النقدية.

ورغم وجود ظاهرة “المصابحة” واستمرارها إلى وقتنا الحاضر، إلا أن هناك الكثير من المقتدرين ماديا أصبحوا لا يأخذون هذا المبلغ مع حرصهم الدائم على المساهمة في جميع المناسبات الاجتماعية.

ويقول سالم بن عقيل مقيبل، مشرف تربوي بوزارة التربية والتعليم ومتخصص في تاريخ عمان المعاصر، إن عادة الجميل “المصابحة” هي ظاهرة اجتماعية توارثتها الأجيال منذ القدم في محافظة ظفار خلال مناسبات الأعراس، حيث كانت قديما تتم من خلال عدة طرق منها تقديم مبلغ نقدي أو ما يعوض عن ذلك قديما مثل السلاح أو الخنجر لما لها من قيمة عالية في ذلك الوقت، ويقوم بها المقتدر من أهل العريس وأقاربه ومعارفه، إلى جانب تقديم الذبائح والوليمة لمساعدته ومشاركته في هذه المناسبة الاجتماعية.

وتتم طريقة دفع الجميل “المصابحة” من خلال قيام كاتب من أهل العريس داخل خيمة العرس بتسجيل أسماء الأشخاص في سجل خاص، حيث يتم تسجيل الاسم كاملا مع ذكر المبلغ الذي تم دفعه والذي يبدأ من 10 ريالات إلى 20 و50 ريالا وأكثر، حسب مقدرة المشارك ودرجة القرابة.

ويضاف مقيبل لوكالة الأنباء العمانية أن هناك نوعا آخر من الجميل “المصابحة” تقدمه النساء بمحافظة ظفار قديما يطلق عليه محليا “محوشة”، تقدم للعروس قبل العرس بأيام وهي أشياء عينية كالملابس والبخور وأدوات الغرفة كالمدخنة والمكحل والعطور والمرايا وأواني الخزف الصينية التي تزين بها الغرفة، أما في الوقت الحالي فيتم تقديم أطقم الذهب للعروس من أقرب الناس إليها.

العرس فرحة الأقرباء والأصدقاء

وأكد أنه في العرف الاجتماعي يعتبر المبلغ المدفوع في الجميل “المصابحة” قيمة أخلاقية وعرفية تحفظ للناس الود والحب والاحترام المتبادل، والمتعارف عليه اجتماعيا أنه يتم إرجاعه عند زواج الطرف الآخر، ويعد صورة من صور التكافل الاجتماعي في محافظة ظفار.

مراحل الزواج

تتم مراسم الزواج في محافظة ظفار من خلال عدة مراحل أولها “الخطبة”، حيث تتمثل في ذهاب الشاب مع والده أو أحد أقاربه إلى بيت والد الفتاة لخطبتها والذي يطلب مهلة للمشاورة، فإذا تمت الموافقة على الخطبة يتم بالرد عليهما بالترحيب، وبعد ذلك يحدد والد الشاب يوما آخر للحضور ليتم فيه الاتفاق على تحديد المهر أو ما يطلق عليه محليا “الجهاز”، علما أن الكثير من الأسر أصبح مبلغ المهر بينها متعارفا عليه لدى الجميع.

أما المرحلة الثانية فيطلق عليها محليا “الثبوت”، حيث يذهب العريس ووالده مع بعض الرجال من الأقارب وكبار ووجهاء القبيلة إلى بيت والد العروس، وبعد أداء واجب الضيافة يطلب والد العريس من والد العروس تحديد مبلغ المهر فيحدد المبلغ، ومن ثم يطالب الضيوف من الموجودين بتخفيض المبلغ حتى يصل إلى نسبة معقولة تناسب ظروف العريس وأهله، وهذه من العادات الحسنة المتبعة بين الناس تتم من خلالها مراعاة الظروف، حيث يوافق والد العروس احتراما وإرضاء لهم، وبعد ذلك يقومون بتحديد يوم العقد والعرس، وبعد فترة قصيرة يقوم أهل العريس بإرسال المهر مع ثياب العروس التي تشمل كل ما يلزمها. ومن العادات أن تقوم والدة العروس بتوزيع البعض من الثياب على قريباتها احتفاء بهذه المناسبة وتسمى محليا “مناني”.

ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي “العقد”، حيث يتم عادة في بيت أهل العروس أو في أحد الجوامع ويحضره عدد كبير من أقارب الطرفين والأصدقاء والمعارف، وبعد انتهاء مراسم العقد يقوم الحضور بتهنئة العريس ومصافحته، ثم يقام فن الهبوت حيث يتوسط العريس الصف الأمامي من الشيوخ والوجهاء وهو يرتدي البشت والخنجر ويحمل السيف أو البندقية، ويقوم الجميع بترديد الأشعار الغنائية التي تعبر عن المناسبة السعيدة والفرحة ومن خلفهم ترتفع أصوات الطبول والأغاني التي تؤديها الفرق الشعبية، وفي آخر الصفوف تصطف البعض من النساء المصاحبات للفرقة الشعبية خلف الرجال وهن يحملن المجامر الكبيرة التي تتصاعد منها رائحة البخور واللبان، وتحمل كل واحدة في يدها مروحة يدوية من الخوص تلوح بها يمينا ويسارا.

رقصة البرعة لا تغيب عن حفلات الأعراس

سهرة العرس

تقام في بعض الأعراس “السهرة “، وذلك في مساء نفس يوم العقد حيث يقام احتفال فني ساهر للرجال أمام بيت العريس يحييه عدد من الفرق الشعبية والفنانين، يتم خلاله تقديم فنون البرعة والشرح التي تشتهر بها محافظة ظفار، ويحضره عدد كبير من الناس.

وتشارك النساء في هذه الفرحة من خلال ما يسمى بحفل “الطبل” حيث تقام في مساء يوم العرس سهرة خاصة بالنساء في بيت العريس يؤدى فيها فن الطبل، وهو من أشهر الفنون النسائية في المحافظة. ويحضر هذه السهرة عدد كبير من النساء من أقارب العريس وهن بكامل زينتهن، إضافة إلى حرص الكثير من النساء من غير الأقارب على حضور المناسبة للفرجة.

أما في مرحلة “التحويل” وهي انتقال العروس من بيت أهلها إلى بيت زوجها، فتحرص قريباتها على الحضور وهن بكامل زينتهن وتقوم أم العروس باستقبالهن بالترحيب وحسن الضيافة بتقديم “الفوالة” المكونة من الحلوى والقهوة والكعك المحلي وخبز “القالب” والفواكه، ويتم تطييب الجميع بالعطور والبخور، وبعد صلاة العشاء تقوم النساء بزفة العروس التي تتوسطهن حيث يقمن بحجبها عن الأنظار بواسطة ستارة تمسك كل واحدة منهن بطرفها ورفعها فوق رؤوسهن ويقمن بزفتها في موكب كبير إلى بيت العريس، وعند الوصول تقوم والدة العريس وقريباتها باستقبالهن والترحيب بالعروس ومن حضر معها، ثم يقدم أهل العريس وجبة العشاء المحلية التي تشتهر بها محافظة ظفار وهي “القبولي” إلى الضيوف. أما حاليا فقد انتشرت الموائد المفتوحة “البوفيه” التي تشتمل على مختلف أنواع الأطعمة.

كما تأتي “مصابحة” العروس في صبيحة اليوم الثاني من العرس حيث يقدم العريس هدية قيمة للعروس تسمى “الصبحة” والهدية تكون من الذهب والمجوهرات أو مبلغا من المال، وتقدم أيضا هدية لأم العروس من الذهب أو مجموعة من الثياب، كما تقام وليمة غداء أو عشاء على شرف أم العروس تسمى “ذبيحة الخالة”.

وهناك عادة تعقب مراسم الزواج مازالت موجودة عند البعض من خلال ما يسمى “التخويد “، وهو يوم خاص تأتي فيه النساء لرؤية العروس وهي بكامل زينتها.

20