الخزانة التركية تقترب من العجز عن سداد الديون

الليرة التركية تعود إلى الانخفاض بعد ارتفاع مؤقت استمر لساعات فقط بعد إعلان نتائج الانتخابات.
الثلاثاء 2018/06/26
الاقتصاد التركي نحو الاتجاه المجهول بعد الانتخابات

عادت الليرة التركية أمس إلى الانخفاض بعد ارتفاع مؤقت استمر لساعات فقط بعد إعلان نتائج الانتخابات لتعود إلى المستويات التي كانت عليها قبل الانتخابات تحت حاجز 4.68 ليرة للدولار.

ويقول محللون إن الارتفاع المؤقت الذي قارب 3 بالمئة، كان بفعل المضاربات، التي زال تأثيرها بسرعة لتعود الأسواق والمستثمرون إلى مخاوف تشديد قبضة أردوغان على السياسات المالية، بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي وسلطات الحاكم الأوحد.

ويتعرض الاقتصاد التركي لضغوط كبيرة بسبب التطورات التي تشهدها الأسواق على الصعيدين المحلي والعالمي، ولذلك فإنه سيدخل في نفق جديد من التوتر والاضطراب.

وتستعد الخزانة هذا الأسبوع لسداد دين بقيمة 13.6 مليار ليرة وهي ليس فيها سوى 16 مليار ليرة تتوزع بين العملة الصعبة والليرة التركية، وهي أقل بكثير من المتوسط على المدى الطويل.

وإذا عادت الخزانة مجددا للتمادي في مناقصات الاقتراض كما حدث في مايو والأسبوع الماضي فإن الاقتصاد سيواجه أزمة كما حدث في عام 2001. وحتى إذا تمكنت من توفير المدفوعات الخاصة بالشهر الحالي فإن العجز المالي للخزانة سيزداد قبل عملية التخلص من دين بقيمة 17.4 مليار ليرة يحل سدادها في يوليو.

وبهذه الأرقام فإن الخزانة ستواجه الأسواق لأول مرة برصيد من الليرة يقل من الدين المحلي الذي ستسدده، ما سيجبرها على الاقتراض مهما كان سعر الفائدة.

أما بالنسبة لأرصدة الخزانة في حسابات العملة الصعبة لدى المركزي فهي تعادل 1.6 مليار دولار، وهذا الرقم يتم الاحتفاظ به كنقد احتياطي للمعاشات العامة التي تسدد ديونا بقيمة 25 مليار دولار سنويا، وليس من المتوقع أن يتم تخفيضه أكثر.

وتعقد الخزانة آمالها في سداد ديونها على مناقصات الاقتراض الجديدة سعيا منها لجمع الأموال من الأسواق، ومن ثم فإنه ينتظرها مناخ متوتر للغاية.

ومن المؤكد أن يتواصل نقص الطلب في الأسواق على مناقصات الاقتراض الداخلي المسجل في الشهر الماضي، حين لم تتمكن من جمع سوى 464 مليون ليرة فقط رغم رفعها لسعر الفائدة في عملية بيع سندات مدتها عام واحد إلى 19 بالمئة.

3 بالمئة نسبة ارتفاع الليرة بعد إعلان نتائج الانتخابات لكنها فقدتها بعد ساعات قليلة وعادت للهبوط

الآن تبخرت حالة الهدوء التي تحققت في الأسابيع الماضية بعد رفع الفائدة للمرة الثالثة لتصل إلى 17.75 بالمئة وإعلان البنك المركزي الأوروبي أنه سينهي التوسع النقدي هذا العام، والاتجاه إلى البيع الذي شهدته الأسواق الناشئة.

وعقب بدء إجازة العيد في تركيا كسر الدولار الرقم القياسي عند الإغلاق أمام الليرة لمدة يومين على التوالي حين تجاوز 4.73 ليرة تركية.

وقد قام مسؤول عمليات الخزانة بأحد البنوك بتقييم الموضوع بالقول إن “الإنفاق قبل الانتخابات جاء أعلى من المتوقع. واستهلاك الخزانة العامة رصيدها النقدي قبل سداد الدين الداخلي سيجعل المناقصات في وضع حرج للغاية”.

وبينما ارتفعت أسعار الفائدة على سندات الخزانة ما يقرب من 6 بالمئة خلال الأسابيع الستة الماضية، إلا أن التوقعات الخاصة بأن عملية رفع سعر الفائدة ربما لم تنته بعد أن أصبحت تشكل عائقا مهما بالنسبة لارتفاع معدل مشاركة البنوك والمستثمرين الأجانب في المناقصات وتكوينهم محافظ استثمارية.

ويقول المسؤول المصرفي “لا أحد يريد بضاعة يخسر فيها. إن أسعار فائدة الخزانة تبدو جذابة بالنسبة لمعدل التضخم الحالي. لكن هناك توقعات مهمة حول زيادة تلك الأسعار بنسبة أكثر بسبب التطورات السياسية وتشديد شروط السيولة العالمية”.

ويضيف “إذا كان سعر الفائدة سيرتفع أكثر فسوف تتضرر لاحقا الأوراق النقدية التي سيتم الحصول عليها الآن. ولذلك فإن السوق سينتظر على الأقل حتى يهدأ ارتفاع أسعار الفائدة وتبدأ الخزانة بالاقتراض بفائدة أعلى”.

وبينما بلغت أسعار فائدة الخزانة أعلى مستوياتها منذ عام 2005 حيث قاربت 20 بالمئة، فإن سياسات الاقتصاد الكلي وتوقعات التضخم لها تأثير خطير على قرارات المستثمرين.

إن الزيادات العامة المؤجلة، لا سيما في مجال الطاقة، قبل 24 يونيو وسلسلة الممارسات التشجيعية التي تعني طباعة نقود دون مقابل تزيد من مخاوف الرأي العام من أن معدلات التضخم سترتفع أكثر.

من جانب آخر فإن الوضع أكثر تعقيدا بالنسبة للمستثمرين الأجانب الراغبين في شراء مناقصات الخزانة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حيث ازدادت المخاوف المتعلقة بتركيا منذ لقاء أردوغان بالمستثمرين في لندن في 21 مايو.

المستثمرون يحبسون أنفاسهم بانتظار معرفة اتجاهات الاقتصاد التركي في ظل سلطات أردوغان المطلقة

هذه المخاوف تتركز في أن أردوغان سوف يتدخل أكثر في سياسات البنك المركزي بعد فوزه بالانتخابات، وهو ما يمكن أن يدفع البلاد إلى الإفلاس أو التحكم في رؤوس الأموال.

وتحققت أمس مخاوف المستثمرين من فوز أردوغان وسوف تنشب حالة من الذعر في الأسواق وتؤدي إلى تقلبات سريعة في أسعار الصرف والفائدة خلال هذا الأسبوع.

وفي التقارير الرسمية الأولية لكل من وكالة موديز ووكالة فيتش اللتين وضعتا تركيا تحت المتابعة من أجل خفض تصنيفها الائتماني هناك شكوك بشأن استمرار استقلالية البنك المركزي التركي من عدمها، والانتقال إلى التحكم في رؤوس الأموال من عدمه.

ولذلك فإن تصريحات الجانب التركي المتعلقة بهذه المواضيع تخضع لمتابعة حثيثة من الأسواق العالمية، والعبارات التي تم تقييمها في تركيا حتى فترة قريبة على أنها “خطاب سياسي داخلي” ولم تحظ بقبول كبير في الصحافة الخارجية تتسبب في تأثيرات أكثر غرابة.

أما تصريحات أردوغان المتعلقة بأن حكومته ستتخذ بعد الانتخابات إجراءات ضد وكالة موديز، فلم يكن لها أي تأثير في الخارج لأنها بلا مضمون.

وكان موقع زيروهيدغ الذي ينشر لصفوة الممولين العالميين قد نشر تعليقا بعد تلك التصريحات يوصي بمغادرة مسؤولي وكالة موديز لتركيا. وحذر من احتمالية أن يقوم أردوغان باعتقالهم.

وقال مصدر مسؤول في مـوديز من أنقـرة “عقب تصريحات أردوغـان بدأت تتردد بين البيروقراطيين الاقتصاديين شائعات بأنه سيتم اقتحام مكتب وكالة مـوديز في تركيا بعد الانتخابات. تماما مثلما حدث في إيطاليا”.

ويبدو من المؤكد أن يدخل الاقتصاد التركي بعد انتهاء معركة الانتخابات في أحداث متسارعة ودرامية لحسم بوصلة السياسات الاقتصادية خاصة في ظل التأثير المتزايد للتقلبات في الأسواق المالية العالمية على الوضع الاقتصاد التركي الهش.

وكان الاقتصاد التركي قد تلقى الأسبوع الماضي ضربة شديدة من الخارج تمثلت في رفع أسعار الفائدة الأميركية للمرة الثانية هذا العام لتصل إلى 2 بالمئة، وخاصة بعد البيان الصارم الذي أصدره مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي وأشار فيه إلى زيادات أخرى هذا العام.

ويجمع المحللون على أن تركيا دخلت نفقا مظلما وأن المستثمرين يحبسون أنفاسهم بانتظار معرفة اتجاهات الاقتصاد في ظل سلطات أردوغان المطلقة.

10