الخشخاش يزهر من جديد في أفغانستان

المزارعون ينتجون الخشخاش دون خوف من العقاب باعتبار أن حركة طالبان وممثلين عن الحكومة الأفغانية غالبا ما يستفيدون من هذه التجارة المربحة.
الجمعة 2019/04/19
زراعة مربحة وقاتلة
 

مشكلة المخدرات مشكلة عالمية لم تسلم منها أي دولة في العالم، حيث يعتبر تهريب المخدرات رابع أزمة عالمية، ويبلغ عدد المدمنين في العالم أكثر من 250 مليون شخص، إلا أن أفغانستان من أكثر الدول التي تكبدت الأضرار في هذا الصدد، فلوثت المخدرات سمعتها، وازداد عدد المدمنين من الشباب والنساء ما يرفع من خطر هذه الآفة على المجتمع الأفغاني.

لشكر كاه (أفغانستان) – في إحدى مزارع لشكر كاه عاصمة ولاية هلمند، الخاضعة لسيطرة الحكومة الأفغانية، تتمايل أزهار الخشخاش بهدوء بفعل النسيم في مؤشر على استمرار تجارة الأفيون المربحة في هذا البلد.

يحز عمال زراعيون بصلات النبتات التي يرشح عنها الأفيون الأبيض الذي يأتون لجمعه بعد ساعات قليلة وهي فترة كافية لتجف هذه المادة.

ويؤكد محمد غوس أحد هؤلاء العمال أنه يدرك أن عمله هذا “مؤذ”، لكنه يقول، “ليس لدينا وسيلة أخرى لكسب المال.. هذا هو مدخولنا الوحيد”.

ورغم المليارات من الدولارات التي أنفقها المجتمع الدولي منذ سنوات للقضاء على زراعة الخشخاش والتوجه إلى زراعات أخرى مثل الزعفران، لا تزال أفغانستان تنتج 90 بالمئة من الأفيون العالمي. وتؤمن هذه الزراعات مئات الآلاف من فرص العمل.

وينتج المزارعون الخشخاش من دون خوف من العقاب لأن حركة طالبان وممثلين عن الحكومة الأفغانية غالبا ما يستفيدون من هذه التجارة المربحة.

ويأتي الجزء الأكبر من الإنتاج من جنوب البلاد الذي يسيطر عليه المتمردون بغالبيته، وحيث تتراجع تدريجا هيمنة القوات الموالية للسلطات في كابول.

وتبقى هلمند الولاية الأولى المنتجة للأفيون، تليها قندهار وبادغيس وفرياب وأوروزغان ونانغرهار.

ويقول غول محمد وهو مزارع خشخاش، “كانت الحكومة تتلف حقول الخشخاش في السنوات السابقة، لكن هذه السنة وبسبب الحرب الجارية لم تقدم على ذلك”.

باتت حركة طالبان، التي منعت زراعة الخشخاش عندما حكمت أفغانستان، تسيطر الآن بشكل واسع على إنتاج الهيروين في البلد الذي تمزقه الحرب، ما يوفر للمتمردين المليارات من الدولارات.

وتستفيد حركة طالبان منذ فترة طويلة من زراعة الخشخاش من خلال فرض ضريبة على المزارعين والتجار، ومن خلال تشغيل مصانع خاصة بها لصنع المخدرات تحول الأفيون الخام إلى مورفين أو هيروين، لتصدرها بعد ذلك عبر قنوات عديدة. ويؤكد غول محمد “حركة طالبان لا تأبه للأمر فهي لا تحتاج إلا لحصتها” من الأرباح.

ويُدفَع للمزارعين حوالي 163 دولارا للكيلوغرام من العصارة السوداء، وهي الأفيون الخام الذي يخرج من غلاف بذور الخشخاش عند قطعها بالسكين.

90 بالمئة من الأفيون العالمي تنتجه أفغانستان رغم المليارات التي أنفقها المجتمع الدولي للقضاء على هذه الزراعة

وعند تحويلها إلى هيروين، تبيعها طالبان في أسواق المنطقة بثمن يتراوح بين 2300 و3500 دولار للكيلوغرام الواحد، وإلى حين وصولها إلى أوروبا، تباع بالجملة بـ45 ألف دولار، بحسب خبير غربي يقدم الاستشارة لقوات مكافحة المخدرات الأفغانية والذي طلب عدم الكشف عن هويته.

ويفيد الخبراء أن زيادة عثور السلطات منذ 2017 على المواد الكيميائية التي يتطلبها تحويل الأفيون إلى مورفين، وهي الخطوة الأولى قبل تحويله إلى هيروين، مثل مركب أنهيدريد حمض، يشير إلى تصاعد نشاط طالبان في مجال المخدرات.

ويؤكد مسؤولون غربيون أن لدى حركة طالبان مختبراتها الخاصة بها، واصفين ولاية هلمند، حيث تتم زراعة حوالي 80 بالمئة من الخشخاش الأفغاني، بـ”معمل كبير للمخدرات”.

وقد عانى الإنتاج الأفغاني من الأفيون العام الماضي جراء جفاف كبير قضى على بعض الحقول، وقلّص من المناطق الزراعية. وتفيد الأمم المتحدة أن الإنتاج المحتمل للأفيون تراجع 29 بالمئة في 2018 مقارنة بالعام السابق، بسبب نقص في المتساقطات.

لكن هذه السنة لاحظ بعض المزارعين تحسنا في محاصيلهم بسبب تساقط كميات كبيرة من الأمطار، في الفترة الأخيرة ببعض مناطق أفغانستان.

ورغم تراجع الأسعار في السنوات الأخيرة بسبب العرض الفائض، فإن النقص في الزراعات البديلة جعل الكثير من المزارعين الأفغان يعتمدون على الخشخاش.

إنتاج المزيد من مادة الهيروين عالية النوعية ومتدنية الكلفة التي ستصل إلى الأسواق العالمية سيؤدي على الأرجح إلى تزايد الاستهلاك والأضرار المرتبطة بها.

اعتاد غول محمد المزارع من منطقة جيرشك في إقليم هلمند على زراعة القمح والذرة والبصل والطماطم والبامية، “لكن معظم الخضروات تستمر صلاحيتها خمسة عشر يوما على أقصى تقدير، وفي غالب الأحيان لا نستطيع أن نصل السوق في الوقت المناسب. بعد ذلك يكون كل ما لدينا قد فسد”.

ويضيف المزارع، “لذلك يكون الأفيون هو النبات الأفضل للزراعة، إنه ينمو بسهولة، ويسهل حصاده، ولا يحتاج لتخزين بارد، كما أن سعر بيعه أعلى”.

إدمان الشباب الأفغاني ثمن باهظ لزراعة المخدرات
إدمان الشباب الأفغاني ثمن باهظ لزراعة المخدرات

ويقول عبدالهادي وهو مزارع أفغاني آخر، “نزرع الخشخاش منذ 20 عاما، ويتطلب ذلك جهدا أقل من زراعة الذرة أو القمح ويدرّ الكثير من المال”.

وحاولت الجهات المانحة الدولية تشجيع المزارعين الأفغان على اعتماد زراعات أخرى مثل الزعفران، إلا أن المساحات المكرّسة لزراعة الزعفران العام الماضي كانت أقل بأربعين مرة من تلك المخصّصة لزراعة الخشخاش.

وعن طريق تهريب المخدرات إلى القارة الأوروبية، يقول نيقولاي بلوتنيكوف مدير مركز المعلومات العلمية التحليلية، في روسيا، “وفقا للخبراء الأجانب، تحدث في الآونة الأخيرة تغييرات في حركة الهيروين الأفغاني إلى الدول الأوروبية. فبالإضافة إلى استخدام الطرق التقليدية- طريق البلقان، والطريق الشمالي عبر دول آسيا الوسطى وروسيا والجنوبي عبر باكستان والهند، بدأ تجار المخدرات يسلكون الطريق الأفريقي”.

ويبدأ هذا الطريق من باكستان وإيران حيث يتم شحن المخدرات، بحرا، إلى القارة الأفريقية. ومنها، يتم نقل الهيروين إلى أوروبا، إما عن طريق البر إلى الساحل الأفريقي للمتوسط، ومن هناك إلى بلدان جنوب أوروبا، وإما، كما هو الحال مع جنوب أفريقيا، عن طريق البحر إلى موانئ أوروبا الغربية.

ويضيف، “تتيح مجموعة واسعة من خطوط الشحن البري والجوي، المفتوحة في أفريقيا والعابرة لها، العديد من الفرص لعصابات المخدرات. فعاما بعد آخر، تلعب القارة الأفريقية دورا متزايد الأهمية في تسهيل عبور الهيروين الأفغاني إلى أوروبا”.

ويدفع الافغنيون الثمن باهظا حيث ازدادت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الإدمان على المخدرات، وخاصة بين الشباب بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية القاسية، حيث تفيد بعض الإحصائيات بأن عدد المدمنين حوالي 3.5 مليون أفغاني.

وبالنسبة للنساء كان إدمان المخدرات هو الوسيلة الوحيدة للهروب من الاكتئاب والصدمات التي تنجم عن سوء المعاملة والفقر، ناهيك عن عقد كامل من الحرب الوحشية.

وتعرب المنظمات الدولية عن قلقها من العواقب الصحية المترتبة على ذلك والمشكلات الاجتماعية الجديدة، مثل تفكك وحدة الأسرة وإدمان الأطفال وعدم تأمين احتياجاتهم الأساسية، مثل الطعام والرعاية الصحية والتعليم.

20