الخصوصيات المجتمعية.. حقائق جديرة بالتقدير أم ذرائع لتعطيل التطوير

الأجيال الشابة تعرب عن استعدادها لتقبل حزمة الإصلاحات والتطويرات في المجتمع السعودي، لكن هناك تحفظات تلوح بأسئلتها تجاه هذا المشروع الكبير.
الأربعاء 2018/03/28
إقبال على التغيير

منذ أيام نشرت صحيفة "أوبزيرفر" تقريرا لمراسلها في السعودية، مارتن شولوف، يقول فيه إن المملكة شهدت بالفعل تغيرات كثيرة بدت ملموسة على أرض الواقع بفضل التطويرات التي شملت مجالات عديدة ومتنوعة، والتي يقودها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، لكن التقرير يستدرك بقوله إن "وصول المملكة إلى هذه اللحظة يعد غامضا وغير واضح" مستدلاّ بأن المجتمع "ربما اعتاد على مقاومة أي تغيير وكل شيء جديد".

وسرعان ما تنجلي وتتبدد كل المخاوف والتوجسات ويبدأ شولوف بملاحظة عودة الاهتمام بماضي السعودية وتاريخها الذي يمتد إلى ما قبل الإسلام بعشرات القرون، والذي عادة ما ينظر إليه بنوع من الشجب وعدم الاهتمام، ففي المتحف الوطني تحدث المراسل عن فتيات سعوديات وقد أبدين سعادتهن واندهاشهن من هذا الانفتاح على فنون النحت والتصوير التي طالما اعتبرها المتشددون المتنفذون في السعودية نوعا من المحرمات.

وتنقل الصحيفة عن زائرة للمتحف قولها “هناك صنمان”، في إشارة إلى معرض لم يكن من المتخيل وجوده قبل عقود، عندما تم تجاهل المناطق الأثرية السعودية.

ويلفت التقرير إلى أن حراس الثقافة في المملكة كانوا في الماضي يعدون كل شيء سبق الإسلام جاهلية، مستدركا بأن الحاضرين في المتحف يمثلون اتجاها جديدا من ناحية تبني ثقافة المنطقة وتاريخها القديم، ففي نوفمبر عندما افتتح المعرض عبّر الكثيرون عن مخاوف من ردود أفعال تتعلق بعرض آثار قديمة وأصنام، إلا أن ردة الفعل كانت إيجابية.

 ويورد شولوف، كاتب التقرير، نقلا عن الباحثة في تاريخ الفن مها السنان قولها “كنت خائفة.. ولم أعرف كيف ستكون ردة فعل الناس، خاصة أن تلك الآثار تعرض للناس لأول مرة، فالمعتقدات الدينية مرتبطة بالأفكار الاجتماعية، وكانت هناك حاجة لنشر الوعي حول ما تمثله هذه الأوثان، فلم تكن كلها للعبادة والتقديس، والناس هم الذين يقومون بالدفع إلى هذا التغيير، ويريدوننا أن نعترف به”.

وتيرة التغيير وسرعة الإصلاحات التي يشرف عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيرتا الكثيرين

وينوه شولوف إلى أن فكرة التغيير بدأت تتجذر ببطء، في بلد ظل يعارض أي شيء جديد، لكن وتيرة التغيير وسرعة الإصلاحات التي يشرف عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيرتا الكثيرين، ففي الشهر الماضي فقط قيل للمرأة إنها تستطيع الانضمام إلى الجيش والمخابرات، وسيتم فتح مدارس تعليم القيادة للمرأة، حيث سيسمح لها رسميا بقيادة السيارة في يونيو، وتم السماح بدخول المرأة لملاعب الرياضة، وكذلك دور السينما التي يتم بناؤها في أنحاء مختلفة من البلاد.

 وتنقل صحيفة "أوبزيرفر" عن عدد من رجال الدين، قولهم إن لبس العباءة ليس إجباريا، ويجب أن يكون اختيارا شخصيا، فيما تقول ندى (فتاة سعودية جامعية) "كل ما تعلمناه هو الثقافة الإسلامية، ومن المهم أن يكون هناك شيء غير هذا.. ويجب أن نخفي الطريقة التي كنا نعيش بها"، مشيرة إلى أنها ترحب بفتوى العباءة، خاصة منها الجزء المتعلق بالاختيار، فتقول “لا يوجد ما يجبرنا على ارتداء هذه في الإسلام.. وبالنسبة لي فإن هذا اختيار، وهي جزء من هويتي”.

 ويذكر التقرير أنه داخل المتحف كان عبدالله (وهو زائر من مكة) -ولا يزال- يعتقد أن ارتداء العباءة واجب، مشيرا إلى أن "القيم الثقافية شيء والزي الشخصي أمر آخر".

ويورد الكاتب نقلا عن دبلوماسي في الرياض قوله “لهذا السبب سيواجهون مقاومة”، ويضيف “كم هو حجم الدعم لبرنامج الإصلاح الذي يعد ثوريا؟ من الصعب قياسه".

على ضوء ما ورد في هذا التقرير الذي رصد ملامح التحول في السعودية فيما صار يوصف بـ”الثورة الهادئة” التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان، نلمح استعدادا قويا من الأجيال الشابة لتقبل حزمة الإصلاحات والتطويرات التي شملت جميع المجالات، لكن تحفظات كثيرة لا يمكن إنكارها قد وقفت تلوح بأسئلتها تجاه هذا المشروع الكبير، والذي وصفه متشائمون بـ”الخطير”.

الملاحظات التي وقع إبداؤها إزاء مسيرة التطوير والتحديث التي يقودها الأمير السعودي، لا يمكن وضعها كلها في خانة الانتصار للعقلية المحافظة أو الخوف من مستقبل مجهول أو حتى الرغبة في عرقلة مسيرة الإصلاحات بل فيها شيء من الصواب والتحفظ المشروع، وذلك بالنظر إلى الخصوصية المجتمعية التي لا يمكن إنكارها أو تغييرها في حقبة زمنية وجيزة بالمقارنة مع تراكم دام قرونا.

التسرع خصوصية عربية بامتياز

مشهد عادي ورصين
مشهد عادي ورصين

تجاهل الخصوصيات المجتمعية أثناء وضع الخطط والاستراتيجيات يشبه الحفر والتنقيب دون خرائط طوبوغرافية أو الملاحة دون الاستعانة بمراصد جوية.

خبراء ومراقبون محليون ودوليون يتابعون المسيرة التطويرية التي يقودها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بشيء من التوجس المستند إلى معطيات واقعية ومدروسة.

وحجتهم في ذلك أن المملكة العربية السعودية دولة لها من الحجم والثقل الاستراتيجي ما يجعل الارتدادات خطيرة في حال وقوع خطأ ما، يتعلق بسوء التقدير في رسم سياسات المرحلة القادمة.

إذا استثنينا الشامتين والأعداء والمغرضين، فإن الجميع -بمن في ذلك المنافسون- يساندون السياسة التحديثية التي تنتهجها السعودية وتمضي غير آبهة بنوايا ومآرب التيارات السلفية المتزمتة، لكن الحذر واجب، ومخاطر الانزلاقات تحيط بالتجربة، والحقيقة واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى دليل، فحتى النبات يتلف إن أنت أترعته سقاية بعد جفاف طويل.

الدليل الواضح على أن الخصوصية لا تعني الانغلاق هو -على سبيل المثال- استضافة العاصمة السعودية الرياض هذه الأيام لـ”أسبوع الموضة” الذي كان ينظم عادة في دبي بالإمارات، بعد افتتاح المكتب الإقليمي لـ”مجلس الأزياء العربي” في العاصمة السعودية، وتعيين الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود، رئيسة شرفيةً له. ومثل هذا الحدث يرحب به الجميع دون تحفظ لأنه يراعي الخصوصية الاجتماعية وفي الوقت ذاته لا يدير ظهره للانفتاح.

نماذج كثيرة وفاقعة في هذا العالم تقدم الدليل على نجاح احترام الخصوصيات في تجارب دول عديدة مثل اليابان وماليزيا والصين ودول اسكندنافية وغيرها.

الاندفاع والتسرع في الاحتفاء بالموجة التطويرية يمكن أن يتسببا في حالات مما يمكن تسميته بـ”الأوفر دوز″ أو الجرعة الزائدة وما تسببه من مخاطر، لذلك ينصح الخبراء الاجتماعيون بنظام “القطرة قطرة” في الإصلاحات والتطويرات لأن الحالة الراديكالية متجذرة لدى الإنسان بطبيعته وبحكم تركيبته النفسية الميالة للاختلاف وعدم التماهي مع الآخر. ويأتي كذلك الجانب الديني الذي ينبغي مراعاته فالبقاع المقدسة تخص مئات الملايين من البشر في العالم.

الكل يعلم أن سبب دمار واندثار مشاريع كثيرة في التاريخ القديم والحديث هو عدم إيلاء الخصوصية الاجتماعية والثقافية اهتماما يليق بها

أمر آخر وشديد الخطورة، يمكن له أن يهدد الدولة والمجتمع في حال ارتفعت وتيرة التسرع نحو الانفتاح وإهمال الخصوصية المجتمعية، وهو التيار الديني المتشدد الذي يترصد ويتربص بالخطوات الجريئة وغير المحسوبة في الانفتاح. وهو أمر بدأ يظهر في السعودية وإن كان بشكل متخف، لكن الضالعين في محاربة موجات التطرف يعلمون أن الحل الأمني ليس حلا وحيدا وناجعا دائما.

الكل يعلم أن سبب دمار واندثار مشاريع كثيرة في التاريخ الحديث هو عدم إيلاء الخصوصية الاجتماعية اهتماما، ذلك أن الطبيعة البشرية تتصرف وفقا لقوانين غاية في الدقة والصرامة، وليس من الحكمة أن نسرّع في البطيء أو نغير من ملامح وأنساق بشرية وحياتية تشكلت على مر أحقاب تاريخية مديدة ووفق عقائد وثقافات ونظم تربوية راسخة.

الخصوصية بمفهومها الأنثروبولوجي العام ليست مجرد مظاهر وسلوكيات يومية، يمكن أن تختفي بسرعة، بل تتمثل هذه الخصوصية في اللغة وكل أشكال التعبير الفني والمعايير الجمالية والمتمثلات السيكولوجية والمعتقدات الروحية والطقوس الدينية والمنظومات القيمية والمسلكيات الاجتماعية وأنماط العيش الخاصة من مسكن وملبس ومأكل. فهي باختصار حصيلة وزبدة كل العناصر التي تميز دولة أو أمة، وتعطيها سمة متميزة وملامح مغايرة تشكل غيرية وذاتية هما قوام الهوية الثقافية والحضارية لتلك الدولة.

العالم العربي شهد في تاريخه الحديث موجات انفتاحية مست بعض الخصوصيات، وكانت ردات الفعل والنتائج مثيرة وقوية، واختلفت من بلد إلى آخر لكنها لم تمس البنى الأساسية، وإن نجحت -وبالكاد- بعض النماذج المدروسة فإن التأثيرات الجانبية ما زالت واضحة في بعض البلدان، وعلى مختلف الأصعدة كالاشتراكية في الجزائر ثم ليبيا في عهد القذافي، وتعديلات قانون الأحوال الشخصية في تونس، والذي لا يمكن أن ننكر ما نتج عنه من حالات طلاق وغيرها من أزمات اجتماعية نتيجة عدم مراعاة الخصوصيات المجتمعية.

صفوة القول أن مشاريع التحديث والتطوير، مهما كانت نواياها الإيجابية، لا يمكن فصلها عن غول العولمة التي تسعى إلى إلغاء السيادة وإضعافها مستعينة بوسائلها وآلياتها في تخطي الحدود والتعدّي على خصوصيات المكان واختراقه وغزو ثقافة شعبه وأفراده وفرض ثقافة أخرى عليه ممّا يضعف الانتماء الوطني ويساهم في تفكيك عناصر الهوية ومكوّناتها ليصبح كلّ شعب بلا هوية تميّزه عن غيره من الشعوب والأمم.

ملاذ لذوي الأيادي المرتعشة

مسيرة لا يوقفها أي تشدد
مسيرة لا يوقفها أي تشدد

الخصوصية تمنحك التفاعل الإيجابي مع العالم، لا الانطواء والاكتفاء بالتفرج أو الاستهلاك السلبي لإنجازات الآخرين، فلا وجود لمجتمع دون خصوصية، إن لم نقل خصوصيات متنوعة، متداخلة، وحتى متضاربة في الكثير من الحالات. وعليه فإن القول بالخصوصية المجتمعية كذريعة لتبرير الوقوف في وجه التنمية والتطور هو ضرب من العدمية ويشبه القياس على فكرة “كل جديد بدعة وكل ذي بدعة مكانه الجحيم”.

ما أقدم عليه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، من مبادرات جريئة ضمن حملة التطوير الشاملة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، ينم عن فهم واستيعاب للمرحلة، وإدراك أن الخسائر سوف تكون فادحة إن لم تتملك بلاده زمام المبادرة وتفكر في مشاكلها بصوت عال بدل الانضواء تحت عباءة “الخصوصية السعودية” التي يروج لها المحافظون والمتشددون والمنتفعون على حد السواء.

الأمر ينطبق على باقي الدول العربية التي ما زال الكثير من حكوماتها يتحدث باسم الخصوصيات القطرية والمجتمعية والدينية وغيرها من المفاهيم الهلامية عديمة الفائدة في عالم يتطور ويتشكل على إيقاع ثورات رقمية هائلة.

الأجدر أن نتحدث عن خصوصيات تتأسس على سرعة وإيجابية التفاعل والتأثير في الآخر، والسباق لامتلاك زمام المبادرة. ومن ضمن النماذج التي تعد ناجحة في هذا الأمر -وكي لا نوغل في التشاؤم- “الخصوصية التونسية” التي تأسست على منظومة قوانين وتشريعات متطورة، مكنت تونس الآن من تجاوز صعوبات كثيرة تتخبط فيها دول أخرى، وذلك نتيجة لـ”خصوصية” ثقافية أو مجتمعية تتمسك بها دون وعي أو تخطيط.

الأسرة نفسها هي مجموعة من الخصوصيات الفردية في المأكل والملبس والتفكير، لذلك وجب النظر إلى النسق التطوري كقدر لا مفر منه، وكحقيقة لا تنتهك حق الفرد في ألا يشبه إلا ذاته بل وعليه ألا يشبه إلا نفسه.

"الخصوصية السعودية" التي يتحدث عنها المتشددون والمغالون من المحافظين، حرمت سعوديين من الانفتاح الثقافي على العالم والتعرف على الفنون والآداب

ما زالت هناك بعض الأصوات في السعودية مثلا، تتحدث عما يعرف بـ”الخصوصية السعودية” وتستخدم هذا المصطلح المتكرر ذريعة لصد أي موجة تطوير ورفض أي حركة تحديث. هذا الطرح لم يعد مقبولا في ظل الانفتاح السعودي على العالم، والدور القيادي الذي تلعبه في المنطقة، إذ لم يعد من الممكن القبول بفكرة الخصوصية السعودية كجدار عازل عن العالم، فهذه الخصوصية لم تعد تليق بدولة في صدارة العالم العربي والإسلامي، ودولة عضو في تكتل مجموعة العشرين التي تقود العالم اقتصاديا.

هذه “الخصوصية السعودية” التي يتحدث عنها المتشددون والمغالون من المحافظين، حرمت سعوديين كثيرين من الانفتاح الثقافي على العالم والتعرف على الفنون والآداب من الحضارات والثقافات المتنوعة، كذلك كان لهذه الخصوصية نفسها الدور المانع من الانفتاح على المؤسسات التعليمية العملاقة لفتح فروع لها في السعودية، وكذلك الأمر بالنسبة للتردد في فتح الأسواق بشكل كامل، لجذب الاستثمارات بأسلوب منافس ومغر، وهو الحاجز الذي وقف عائقا عن الاستفادة من مئات الآلاف من العاملين في مجال التجارة الموازية، بدلا من تقنين وضعهم بشكل قانوني ومنحهم حق التملك عوض إبقاء هذه المنظومة الاقتصادية الفعالة والمهمة خارج الإطار الاقتصادي النظامي، وعدم الاستفادة من المئات من المواهب الفريدة في بلادها من مختلف جنسيات العالم، وتمكينهم من الحصول على جنسية البلاد للاستفادة القصوى منهم، وذلك بالسماح لهم بالتملك العقاري والمشاركة في الاستثمار المحلي.

السؤال الموجه للمجتمعات العربية التي ما زالت تناقش مخاطر العولمة وضرورة الحفاظ على الخصوصية الثقافية، هو: هل وضعت العولمة السكين في رقبتك، وطالبتك بتغيير جلدك أو طرق تفكيرك وعيشك؟

العولمة لم تطلب ذلك لأنها ليست قوة بالمفهوم التنفيذي الملزم بل هي منطق شكلته مجموعة عوامل معرفية واقتصادية وسياسية، خيّرك بين أن تنخرطي فيه أو تعيشي على هوامشه. العولمة عربة قطار إما تستقلينها أو تجعلينها تمضي وشأنها ثم تتحملين مسؤوليتك، وتعضين أصابعك نادمة حين لا ينفع الندم.

طرح ورمي عباءة الخصوصية جانبا، والتفاعل الإيجابي مع عالم اليوم، يمكّن من اقتسام فوائد ونتائج الاختراعات والاكتشافات والتجارب في مختلف المجالات، وفي الشعور المتنامي لدى الجميع بضرورة بلوغ الامتياز، ثم إن الانخراط في الحداثة والتفاعل الإيجابي مع العولمة يساهمان في تعميم حريات التعبير والمعتقد.

12