الخصوصية اللغوية للمغرب لا تعني عزلة اللسان

الثلاثاء 2013/12/03
المفكر عبدالله العروي يدق ناقوس الخطر دفاعا عن عروبة المغرب

بثت القناة الثانية المغربية مساء الأربعاء الماضي (27 نوفمبر 2013) لقاء ثقافيا بين المفكّر عبد الله العروي ورجل الأعمال نورالدين عيوش حول موضوع تدريس اللهجة الدارجة بالمؤسّسات التعليمية. حيث دافع كلّ منهما عن وجهة نظره: فالعروي رأى في تدريس اللهجة العامية عامل تفتيت للوحدة الوطنية بينما رأى عيّوش أنّ النهوض بواقع التعليم لا يتمّ إلا عبر سبيل إدماج الدارجة في المنظومة التربوية، وقال للعروي "انْتَ نزل بالفصحى من الفوق وآنا نطلع بالدّارجة من تحت ونتلاقاوْ الوسط". وقد أثار هذا اللقاء ردود أفعال كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وكذا بوسائل الإعلام المغربية تمحور أغلبها حول رفض فصل المغاربة عن تاريخهم، وتراثهم الفكري والأدبي، وقيمهم الدينية والثقافية، ورموزهم الحضارية التي خدمت الإنسانية لقرون طويلة. وفق ما يرى البعض قد كشفت هذه المناظرة عن أنّ المشهد الثقافي المغربي يعيش على وقع جدل بين دعاة اعتماد اللهجة الدارجة في المدارس ودعاة اعتماد العربية الفصحى فيها، ما قد يطرح أسئلة ثقافية بخصوص قضية التعدّد اللغوي التي قال في شأنها المبدع أحمد بوزفور: "أعيش برجلي في لغات اليومي، وبرأسي في اللغة الفصحى".

ولأنّ المشغل اللغوي لا يهمّ المغرب الشقيق فقط، وإنما هو قضية مطروحة في كثير من الأقطار المغاربية وتهدّد بظهور فتنة لسانية على حدّ قول بعض المثقفين، فإنّ صحيفة "العرب" تنشر بعضا من هذا السجال راجية أن تنتج عنه أفكار تصلح للإجابة عمّا يطرح من أسئلة.

تشكلت الهوية المغربية على مرّ العصور بكل مكوناتها ومقوماتها ومن ضمنها عنصر اللغة عبر انفتاح المغاربة على كل التيارات الثقافية والحضارية الآتية من الشرق والأندلس وجنوب الصحراء في انصهار كلي مع كل ما هو موروث محليا، الشيء الذي يتناقض تماما مع الدعوة التي أطلقها البعض بإعطاء الدارجة (اللغة المحكية في المغرب) تلك المكانة وجعلها لغة مكتوبة، باعتبار أن اللغة الشفوية المحكية مجالها البيت والشارع وليس المدرسة، ومحاولتهم هذه قد تؤدي إلى تدمير خصوصية المغرب بشكل مستهجن حيث تفتقر إلى الفعل المؤسس على الثقافة الحقيقية والعلم باللغة وأصولها، فهي دعوة أصلها إشهاري إعلاني وهدفها لا علاقة له بالعمق الثقافي أو التعليمي.

يمكننا أن نفهم اللغة التي يحبذها صاحب الفكرة نورالدين عيوش القادم من ميدان الإشهار والصورة الإعلانية كأداة لترغيب المواطن المغربي في مادة استهلاكية أو تشجيعه على قرض مالي أو ماركة سيارة أو أكلة ما، لغة إشهارية اكتسحت كل الميادين العامة والأزقة والشوارع والقنوات الفضائية والإذاعات.


حروب الهوية


إنها لغة الإشهار والداعي إليها تغلب عليه فلسفة الإعلانات الإشهارية، لكن لا علاقة لهذا بلغة الثقافة والإبداع وحفظ المعلومات الذي يقتضي لغة فصيحة راقية وهذه اللغة موجودة في المغرب ولا داعي لتغييرها بأخرى لمجرد أن شخصا ما أراد أن يروج بواسطتها منتوجا ما.

إذن كيف يمكن فهم الدعوة لإدخال لغة التواصل في الشارع والبيت إلى عالم المدرسة بكل ما تحمله العملية من تعقيدات بيداغوجية وإهدار للوقت والمال والمجهود الذي لا جدوى منه على المدى المتوسط والبعيد؟ سؤال نطرحه والإجابة تكمن في ما يمكن تسميته حروب الهوية عبر إفراغ المجتمع من كل مكوناته الثقافية والحضارية وتمييع كل منتوجاته الإبداعية عبر سلخه عن تاريخه بتدمير لغته أو على الأقل تحييدها من أجل تسهيل عملية ابتلاعه.

دعوة ملغومة

هنا نرى أن اللغة التواصلية لكي تكون خادمة للتنمية فمن الضروري عدم سلخها عن جذورها الأصلية الثقافية والسياسية والحضارية والتاريخية، فالتنمية المستدامة في العمق لها ارتباط بالاستمرارية والدعم والتحفيز على النمو، ولن يكون هذا بإرغام مجتمع بأكمله على تبني سلعة لمجرد أنها معروضة للبيع، فالدارجة ليست إلا وسيلة تجارية لإغراء المستهلك على بضاعة ما، على غرار تعريف "والتر غراو" للإشهار بقوله: "إنه فن إغراء الأفراد على سلوك ما بطريقة معينة".

والمبرر الذي يسوقه المروجون لهذا الأمر هو تدني مستوى التعليم بالمغرب حيث أنهم رأوا فعالية هذا المدخل سبيلا لإدراج الدارجة في سلك التدريس، و الدارجة بالمناسبة هي مجموعة دارجات وليس واحدة فقط مما يعقد مهمتهم عمليا، إذ أن محاولة توجيه النقاش في مسألة اللغة وعلاقتها مع مردودية التعليم يعتبر سذاجة مهينة، فضعف التعليم متعلق بمحاور متعددة، ومعالجتها ليس في اعتقادنا متعلقا بتضمين الدارجة لغة للكتابة في المدارس.

لنر الآن إلى أي حد يمكن أن تصمد هذه الدعوة التي تقول بإدراج الدارجة التي يتواصل بها المغاربة شفويا في سلك التعليم كحروف مكتوبة، إنها دعوة يشوبها الغموض في عالم متغير ومُعَوْلَم يشهد ضغوطا متزايدة على مسألة اللغة والهوية حيث تتعرض تلك الهويات وحاملها اللغوي إلى هجمات خطيرة ومتنوعة.

محاولة إقحام الدارجة في المغرب كحامل مفترض بعيد المنال لثقافة وعلوم وحضارة، مسألة تتطلب مئات من السنوات والنتيجة سوف تكون لا شيء، ودفاع القائمين على هذا الطرح يعتمدون على توصيات منظمات دولية كاليونسكو وغيرها التي اعتمدت على تجارب في شرق أفريقيا لا علاقة لها بالمجال المعرفي بالمغرب. الشيء الذي يطرح سؤالا حول مصداقية تلك الجهات وموضوعيتها ومدى معرفتها بالثقافة والعمق الحضاري للغة العربية في تكوين البعد الهوياتي للمغرب في شقيه الشفوي والمكتوب.


انعزالية الدارجة

إن النجاح في كبح نسبة الأمية وتعزيز وحدة الأمة وضبط حدود التطرف بأشكاله وتنوعاته في نظرنا لا يمرّ عبر تغيير معالم طريق حضاري وثقافي تشكل بواسطة لغة عربية دولية استطاعت أن تنقل حضارة وثقافة وعلوم شعوب ذات خبرة كاليونان والإغريق والفرس ومحاولة خلق لغة جديدة تحتاج إلى قرون لتعويم قواعدها ثم الكتابة بها ثم نشر إبداعتها.

اللغة حامل تراكمي لكل الثقافة والحضارة، وتعبير عن مخزون وإرث لا تستطيع بعض الدعوات الشاذة هنا وهناك بأن تمحوه بجرة قلم، أو فرضه عبر ملصقات إشهارية

وبافتراض أنه تم ّإغراء الداعين لهذا المسعى ببعض التجارب غير المنتشرة ومجهولة الاسم والهوية تحت عنوان التميز فندعوهم لاغتنام الوقت والمجهود في تطوير اللغة العربية وتبسيط قواعدها والاشتغال عليها مدة من الزمن وسوف تكون النتائج باهرة.

الخلاصة هي أن اللغة حامل تراكمي لكل الثقافة والحضارة وتعبير عن مخزون وإرث لا تستطيع بعض الدعوات الشاذة هنا وهناك بأن تمحوه بجرة قلم أو فرضه عبر ملصقات إشهارية، لأن الخسارة ستكون كبيرة وكارثية على الأجيال القادمة، في حين سيكون إصلاح وتطوير لغة موجودة ومتداولة منذ قرون ولها امتداداتها الجغرافية والسياسية والثقافية والدينية أقل كلفة وأكثر مردودية. فالخصوصية المغربية لا تعني الانعزالية سواء السياسية أو الثقافية أو غيرها، واللغة الدارجة سوف تكون فاتحة لهذه الانعزالية التي نبذها المغاربة بنهجهم طريق الانفتاح على تيارات متوسطية وصحراوية وشرقية.

إغراء إشهاري


لا يمكن لمثل هذه الدعوات أن تحدّ من امتدادات المغرب الحضارية والثقافية عبر محيطه ولن تنجح في مسعاها، ونشجع مناصريها أن ينتظموا في سلك المغربة الحقيقية المبنية على الانفتاح دون التفريط في المقومات الأساسية للهوية المغربية المتنوعة والمنصوص عليها في الوثيقة الدستورية بلا حذلقة أو تهافت على كل ما هو سطحي وإغراء إشهاري لا يغني الموروث ولا يعمق الإصلاح الحقيقي لكل ما يمت لتقدم المغرب والمغاربة بصلة.

الدارجة كلغة للتواصل في البيت والشارع تتطور وتنمو كل يوم حسب حاجات المستعملين لها، فهي زئبقية لا يمكن حصرها في قوالب جامدة، ففي الوقت الذي يدعو فيه أولئك بخدمة الدارجة لتكون لغة التدريس فهم يغفلون على أنهم سيدخلون المغرب في نفس الدائرة المغلقة عندما تستفيق أجيال قادمة بعد مائة سنة على أن الشارع والبيت خلقا لغة خاصة بعيدا عن تلك اللغة التي رسموها للتدريس، وسوف يأتي آخرون أمثال نورالدين عيوش ليقولوا لأحفادنا بأن يبدلوا لغة المدرسة بلغة الشارع وسيكون المجهود والمال قد ذهبا أدراج الرياح من أجل فكرة إعلانية أوجدها صاحبها لتجريب حظه في الإقناع.


اقرأ ايضا في العرب:


يريدون خلق جيل من الضباع

14