الخطأ الأخلاقي

الخميس 2017/12/28

في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات عبر العالم منددةً بقرار ترامب حول القدس، مُدينةً ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد شعب أعزل، نظمت المكتبة الوطنية التونسية، بالتعاون مع مخبر التراث بكلية الآداب بمنوبة مؤخرا معرضا بعنوان “الدّولة المخادعة: سلطة الدّعاية في العهد النّازيّ”.

هذا المعرض أثار حفيظة بعض التونسيين، لأنهم رأوا فيه استفزازا لمشاعرهم في هذا الظرف بالذات، واستدرار عطف على ضحايا محرقة لم يعد يغذي ذكراها غير من يستغلها لابتزاز فاعليها، وتبرير ما يرتكبه الاحتلال الصهيوني من جرائم، حتى غدا الهولوكوست صناعة بعبارة نورمان فينكلشتاين، صاحب كتاب “صناعة الهولوكوست” الذي يفضح فيه من يستغل مأساة من قضوا نحبهم في أوشفيتز، بمن فيهم أهله، لتبرير إخضاع الفلسطينيين.

لقد وصفت رجاء بن سلامة، مديرة المكتبة الوطنية، ما حدث بكونه عملا يمتزج فيه الجهل بالكذب والمغالطة وسوء النّية، ووجدت من المثقفين من ينتصر لها،على غرار المؤرخ علية عميرة الصغير، الذي صرّح أن منع هذه التظاهرة سوف يدعم ما تروجه الدعاية الصهيونية عن العرب والمسلمين بكونهم معادين للسامية، مضيفا “ليس بمنع حرية التعبير نناصر فلسطين”.

وفي رأينا أنه خطأ أخلاقي، مهما قلّبنا وجوه الرأي فيه. إذا كان الأمر خلوّا من أي نية مضمرة لتلميع صورة اليهود، فلماذا لم يتخيّر الساهرون على هذه التظاهرة موضوعا ألصق بالراهن، كزيف الدعاية الصهيونية منذ نشأتها عن “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” بدل التركيز على الدعاية النازية، ما دام الموضوع عن “الدولة المخادعة”، لا سيما أن هذا العام يوافق مئوية وعد بلفور المشؤوم؟ بصراحة، لم نفهم ما الغاية،لأن الربط بين النازية وداعش غير مقنع بالمرة.

أما عن حرية التعبير التي أثارها علية عميرة الصغير، فهي نسبية حتى في بلاد الغرب، ولا نعتقد أن السلطة الفرنسية مثلا ستسمح بإقامة معرض عن مجازرها في الجزائر، أو عن مذبحة تياروا قرب داكار عام 1944، حين أبادت السنغاليين المجندين في جيشها لمجرد أنهم طالبوا بمستحقاتهم، أو ترضى أن يقيم الفلسطينيون على أرضها معرضا عما يلقونه تحت الاحتلال الإسرائيلي.

عندما سوّى فرنسوا بيون، وزير التربية الأسبق، بين وضع الجالية المسلمة في فرنسا ووضع اليهود أيام النازية، ثار رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في وجهه بشدة، وأجبره على الاعتذار، بدعوى أن مأساة اليهود لا يمكن أن تقارن بأي مأساة، باعتبار الهولوكوست أصلا تجاريا، كما قال فينكلشتاين، له ورثة يستثمرونه. ولم تند عن المثقفين جميعا وقتها نأمة دفاعا عن حرية التعبير.

كاتب تونسي

15