الخطاب الإقصائي سبب أزمات اليمن المتواصلة

الجمعة 2014/10/17
إقصاء الزيدية قديما أحد أسباب الصراع حديثا

في دراسة وصفت بأنها “مثيرة للجدل” قدّم الباحث زيد بن علي الفضيل رؤية مغايرة لبنية الخطاب الطائفي في اليمن، من خلال العودة إلى التاريخ. وكان الجزء الأول من الدراسة (نشر بصحيفة العرب في 02 /10/2014 ، العدد: 9697، ص7)، قد ربط بين بداية ظهور النزعة الطائفية إثر سقوط الدولة المتوكلية في اليمن، فيما تناول الجزء الثاني (نُشر في 06 /10/2014، العدد: 9699، ص6) تغلغل هذا الخطاب في ثنايا المجتمع اليمني من خلال إقصاء الهاشميين ودور النظام الجمهوري في ذلك. وفي الجزء الأخير من الدراسة يخلص الباحث إلى أن حالة الإقصاء للمذهب الزيدي هي التي تفسّر، في أحد أبرز جوانبها، الصراع الدائر في اليمن اليوم.

مع اندلاع الحرب بين حسين بن بدر الدين الحوثي والجيش اليمني عام 2004، جراء تفاقم الأزمة السياسية بين الحوثي والرئيس اليمني في ذلك الوقت، علي عبدالله صالح، ومع تكبد الجيش لخسائر كبيرة في العدة والعتاد خلال أحداث الحرب الأولى وصولا إلى الحرب السادسة مع الحوثيين، أفرزت الساحة الرسمية خطابا إعلاميا مليئا بالإيماءات والتصريحات الإقصائية، التي تبنّاها الإعلام الرسمي من جهة، وحمل لواءها عديد من الكتاب المختلفين سياسيا واجتماعيا وأيديولوجيا مع الحوثيين (حركة أنصار الله فيما بعد).

كان من جراء ذلك أن أخذ البعض في إعادة تأجيج وتيرة الحياة الاجتماعية والفكرية بصورة سلبية، من خلال إثارة النقاش بشكل غير عقلاني في بعض العناوين الرئيسة كالانتماء الهاشمي، أو ما يعبر عنه بالسلالية في الجانب العرقي، والإمامة الكهنوتية الرجعية في الإطار السياسي، والمذهب الزيدي الذي تم النظر إليه في بعض تلك الكتابات التأجيجية بوصفه مذهبا دخيلا على اليمن في الإطار الفكري.


كيف عمق الخطاب الإقصائي الأزمة؟


عملت تلك الكتابات على تعميق الرابط الطائفي من جانب، والعصبي من جانب آخر، بين القديم والحديث، في وعي الشارع اليمني، بحيث ارتبطت الإمامة كنظام سياسي بالهاشميين، في حين تم ربط النظام الجمهوري بعصبية القبيلة، ثم ما لبث الأمر أن أدخلت الزيدية كمذهب فكري فقهي في دائرة الصراع السياسي باعتباره كان ملازما لبنية النظام الإمامي خلال العهد المتوكلي والإمامي بوجه عام.

وبالتالي، لم يتعامل الإعلام الرسمي ومؤيدوه خلال أحداث الحرب مع حسن بن بدر الدين الحوثي ومن جاء بعده على أساس مواطنته المدنية البحتة، بل تم النظر إليه بمنظار تاريخي سياسي باعتبار مرجعيته التاريخية لنظام الإمامة، وكأن المرجعية التاريخية قيد يصعب على الفرد التخلص منه بغض النظر عن ماهيته وكنهه.
أسدل الستار معرفيا على حقبة الإمامة التي دامت قرابة الألف ومئة سنة وأصبح الحديث عنها من المحرمات

وكان بذلك أن تعمقت الأزمة في اليمن، جراء حالة التأجيج والتصنيف الطائفي، الذي ترسخ في العقول بسبب تعدد القراءات المتشنجة ذات الطابع الإعلامي للفترة السياسية السابقة لقيام النظام الجمهوري.

فكان أن أسدل الستار معرفيا على حقبة الإمامة التي دامت قرابة ألف ومئة سنة، وأصبح الحديث عن إيجابياتها، بل وحتى الحديث عنها بشكل إجمالي، من المحرمات التي يعاقب عليها القانون الوجداني لبعض منظري الحقبة الحديثة.


هل الإمامة نقيض للجمهورية؟


ترسخ في الأذهان أن الإمامة بخصائصها التاريخية تعني النقيض الكلي للجمهورية، بل والأدهى من ذلك أنها ارتبطت حصريا بالأسرة الهاشمية، لتكون بمثابة اللعنة التاريخية عليهم، دون النظر إلى مختلف التراكيب الاجتماعية اليمنية التي شكلت العمود الفقري لنظام الإمامة منذ نشأتها أواخر القرن الثالث الهجري وحتى سقوطها الفكري أوائل عهد الإمام يحيى حميد الدين (1904 – 1948)، ومن ثم سقوطها السياسي سنة 1962 بقيام النظام الجمهوري الذي شارك في صنعه وتثبيته عناصر متعددة.

لقد كان من جراء تلك القراءات المتشنجة التي وضحت في الخطاب الإعلامي العام، وفي بعض القراءات التاريخية والفكرية، التي انساقت لتربط بين النظام السياسي من جهة، والفكر الزيدي من جهة أخرى، أن تأزمت الأحوال السياسية في اليمن، خاصة وأن الزيديين تعرضوا لهجمة فكرية مناهضة، في ظل تأزم العلاقة بين السنّة والشيعة خلال المرحلة السالفة، وهو ما جعل البعض منهم ينكفئ على نفسه، فيما حاول البعض الآخر مد جسور التعاون مع مختلف الجهات الفكرية ذات المرجعية الشيعية للحيلولة دون التلاشي.

بمراجعة عدد من العناوين واللقاءات والكتابات التي أنتجت خلال المرحلة السالفة يتبين جانب من عمق المشكلة المشار إليها، ويظهر بوضوح طبيعة النفس الإقصائي الذي حاول من خلاله البعض تحجيم المد الحوثي (حركة أنصار الله) في اليمن، وعالجت المؤسسات الرسمية أزمتها مع شريحة واسعة من اليمنيين سواء على النطاق الفكري أو الاجتماعي.


ما هو دور المؤسسة الرسمية؟

النظام الجمهوري العادل الخيار الأمثل لبناء اليمن


بروح تأجيجية إقصائية، قدم الخطاب الرسمي والموالي له نموذجا لمنهجهم في تنحية وإلغاء الهوية التاريخية لليمن المرتبطة بالحكم الإمامي، وتشويههم لحقبتها في أذهان العامة بوجه عام.

وبذل الخطاب الرسمي جهده الدؤوب لربط الهاشميين كعرق والزيدية كمذهب بالحكم الإمامي، وعمل على إثارة النقاش حولهما من منظور نسبي يقوم على ثنائية الأكثرية والأقلية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يعود النصاب لأصحابه وهم الأكثرية، وبذلك يصبح من السهل إقصاء الهاشميين والمذهب الزيدي عن سدة الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن، كما يتيسر أمر إلغائهم وجوديا على الصعيد الجمعي ضمن إطارات المجتمع.


هل هي أزمة أقليات أم أزمة نظام؟


إن النظر إلى الصراع من محور الأكثرية والأقلية هو من أكبر الأخطاء التحليلية، على اعتبار أن اليمن “الشمالي” (الأعلى) بأكمله وطوال فترات التاريخ السالفة قد تشكل مذهبيا ضمن دوائر الفقه الزيدي بانتماء قبائله تاريخيا له. كما أن عمق الوجود الهاشمي في اليمن يعود إلى ألف ومائتي عام.

وأخيرا لا يستهدف من هذه الورقة تكريس أي منحى عنصري أو طائفي، بقدر تسليط الضوء على جانب من إشكال اليمن السياسي خلال المرحلة المعاشة، مع الإيمان بأن النظام الجمهوري بصيغته المدنية الديمقراطية العادلة، الذي يكفل الحقوق وفق معيار الكفاءة العلمية والجدارة الوظيفية، ويحقق السلام المجتمعي، هو الخيار الأمثل لبناء وطن يعيش في كنفه الجميع بأمن وآمان.


باحث متخصص في الشؤون السياسية والفكرية لشبه الجزيرة العربية

6