الخطاب التنويري وغيبوبة أهل "الصحوة"

الصحوة كتيار فكري إسلاموي قد تبنى ذاته وتمكن في أرض مهيأة مبديا عدائيته لكل من يقف تجاهه وداعما لكل من يحاول أن يحدث حركة حداثية في هذه البيئة.
الأحد 2018/06/24
الصحوة لدى الغذامي ظرف ثقافي ارتبط بالحشد

  طالما تمنيت أن أقرأ كتاب “مابعد الصحوة” لعبدالله الغذامي “تحولات الخطاب من التفرد إلى التعدد” المنشور سنة 2015 وحينما تناولته شعرت بارتياح تام لما آل إليه الكتاب فهو يعد أداة بحث مختصرة لمن يريد أن يفهم حركة “الصحوة” السعودية التي واجهت التحديثيين في المملكة، في أبسط معانيها. ذلك أن الغذامي هو ابن البيئة المحلية وعايشَ أفكار الصحويين ومشروعهم، بل احتك بهم في مقاعد الجامعات والأندية الأدبية.

ورغم أن العنوان يشير إلى تناول هذا التيار الفكري حتى ما بعد الصحوة إلا أنه يبدأ بما قبل الصحوة أي قبل 1980 فهو يعطي القارئ مؤشرات لبدء الصحويين مشروعهم في السعودية فقد كانوا مندفعين على حد قول الغذامي فيجب علينا أن نكون متبصرين.

الصحوة لدى الغذامي ظرف ثقافي ارتبط بالحشد، وأنا هنا لستُ بصدد مناقشة الدكتور الغذامي في كتابه بقدر ما أصبح هذا الكتاب لدي مرجعا هاما لبدء الصحوة كتيار فكري له أسبابه ومناشطه ومشايخه وفتاويه.

كلنا يدرك بأن الصحوة وما ترمز إليه وقفت في وجه الخطاب التنويري وبالتالي شكّل هذا الوقوف أزمة حقيقية في وجه هذا الخطاب الذي يرمي إلى أحقية الإنسان في مزاولة نشاطه وفكره كما يريد لا كما تراه الصحوة التي تنبئ عن طرح مخاوفها من الليبرالية واشتقاق أبناء البيئة فكرهم من الخارج ومخاوفهم من تفتت – إن صح التعبير – هذا المشروع الصحوي.

مرجع هام لبدء الصحوة كتيار فكري له أسبابه ومناشطه ومشايخه وفتاويه
مرجع هام لبدء الصحوة كتيار فكري له أسبابه ومناشطه ومشايخه وفتاويه

لا ننكر بأن الصحوة كتيار فكري إسلاموي قد تبنى ذاته وتمكن في أرض مهيأة مبديا عدائيته لكل من يقف تجاهه وداعما لكل من يحاول أن يحدث حركة حداثية في هذه البيئة، وجاءت الصحوة مرادفة لكثير من التيارات الإسلامية في الوطن العربي متزامنة مع حركة الإخوان في مصر رغم أسبقية هذه الحركة ومتزامنة مع الثورة الإسلامية في إيران وانتهاء حكم الشاة كما يجدر بنا الإشارة إلى حركة جهيمان والحرم المكي عام 1979 ويبدو لي كما قرأت ذلك في كتاب “مابعد الصحوة” جاءت بعد توقيع معاهدة السلام المر بين إسرائيل ومصر “كامب ديفد” بوساطة أمريكية من رئيسها آنذاك “كارتر”. كل هذه الحركات والأحداث جاءت كتعبئة للحشد الصحوي الذي يريد أن ينهي كل فكرة تنويرية حداثية في البلد. لعل ذلك يمنحها الأمان في تأدية رسالتها الصحوية وهيمنتها على المنافذ التي تشكل فرنا لمطبخ الصحوة كالتعليم والمساجد والأسرة.

ولو أخذنا “المساجد” فقد كانت مكبرات الصوت تعلو وتهبط بذكر المحرمات حتى وصل الأمر إلى إلقاء الآخر واتهامه بالكفر ووجوب سفك دمه. أما على مستوى التعليم فكانت المناهج تضج بالجهادية ضد أعداء الإسلام على حد قولهم كاليهود والمسيحيين والرافضة والأميركان، وليس أقل ذلك على مستوى الأسرة فقد أصبح الفتى الملتحي وقصير الثوب هو الآمر والناهي وهو المتحكم بكل أمور الأسرة من لبس وأكل وسماع وغيره.

كان مشروع الصحويين مشروعا طاغيا وشد من أزره أن الجهات المعنية في الدولة لم تدقق على مشروعهم وبالتالي نما لديهم ثقة في أنفسهم بأن عملهم هو الصحيح وسلوكياتهم هي المفترض التي لا بد أن ينتهجها الجميع.

وهذا مما أوقع الخطاب التنويري في أزمة شرسة مع أصحاب هذا التيار فقد كثرت خصومه، ونالوا منه كثيرا في أروقة الصحافة والمساجد مما حدّ من أن يبني له مكانا في المجتمع، فالتيار الظلامي حاول محاصرة ذاك الخطاب وتربية النشء على كرهه حتى انتقل مشروعهم إلى الدول المجاورة وأصبحوا أصحاب سيادة بفعل كبار القوم وبفعل القرار السياسي الذي لم يتخذ موقفا صارما تجاههم. فلم تعد للمسارح والسينما والموسيقى والشعر الحداثي مكان، وغيبوا المرأة وحقوقها واعتبروها كائنا يجب أن يلازم البيت وأجبروها على أن تكون مقيدة رغم محاولات النساء الخروج من هذه البوتقة الظلامية إلا أن وسائل القمع والتحريض وفتاوى التكفير كانت تنتظرهن جميعا.

اليوم وبينما الدولة السعودية الجديدة ترمي استعادة ما كان قبل 1979 أخذت على عاتقها تكميم تلك الحشود التي أخذت وقتا طويلا في تسيير عقول المجتمع، يبدو أنها ساعة الحسم لإنهاء هذا الصراع والانتصار للحرية العادلة وللمرأة وعقلها، وللفنون والأدب بشكل عام. فالقرار السياسي الذي تم به مجابهة تلك العقول كان بمثابة فرض سلطة الحقيقة على سلطة الفتاوى التكفيرية التي اتخذها الصحويون حين اعتبروا التدين مدخلا للولوج إلى الصحوة بشكل خاطئ وصناعة الرموز التي تصرخ من أعلى المنابر بوأد الحرية وعقل المرأة وقتل الفنون والتضييق على معارض الكتب.

“لقد كانت الصحوة واهمة حين اختارت الحداثة خصما أوليا لها” على حد قول الغذامي. وهنا أؤكد بأن جذور الصحوة لم تزل وتنتظر الوقت لإعادة صياغة سلطتها من جديد، وعلى القرار السياسي أن يكون نافذا لا تهاون فيه فمشروع الدولة الجديدة طويل ومنافس على جميع المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية.. بما يقدمه من قيمة إنسانية وحق ممارسة الفرد لحياته. وعلى ذلك الصوت الرفيع الذي كان يعلو في الكثير من المناسبات نعم عليه أن ينخفض أو يكمم حتى تكون الدولة السعودية منافسة للدول الأخرى وحتى يعيش المثقف الحقيقي بل الإنسان في هذا البلد على أرضية صلبة تقيه تلك الأفكار التي طمست ثقافته وحياته. وباعتقادي أن إرساء الخطاب التنويري هو السبيل للنهوض وارتقاء سلّم الحياة.

10