الخطاب الديني مازال يعيش في العصر الإمبراطوري

الجمعة 2015/04/24
كل يوم جديد هو أول يوم ضمن ما بقي لي من أيام العمر

ما يشهده العالم العربي من أحداث ومن تقلبات سريعة مؤثرة يضرب عميقا، مقوضا قرونا من الحضارة والتاريخ الإسلاميين، يدعو إلى التفكير بروية منذ الجذور الأولى في الواقع العربي، وخلق مصالحة إن صحت العبارة بين القارئ العربي المنهك بالواقع والأفكار التي يمكنها أن تكون مصابيح خافتة تنير له طريقا دون خوف من أن تحرق أطرافه بثقلها أو حماستها. هذا ما ينتهجه المفكر المغربي سعيد ناشيد الذي يريد أن يعيد بناء جسر جديد بين أفكاره السلسة وقارئه. “العرب” التقته وكان لنا معه هذا الحوار.

سعيد ناشيد كاتب ومفكر حر من المغرب، صدر له “الاختيار العلماني وأسطورة النموذج”، عن دار الطليعة ببيروت 2010، و”قلق في العقيدة” عن دار الطليعة ببيروت 2011، ينشر مقالات دورية في عدة صحف عربية وعالمية.

يعتبر ناشيد أن الذي جناه من المعرفة من الأيادي المغمورة والرّسائل غير الموقعة والشعارات المهملة والاعترافات الصادرة عن الأصوات غير المسموعة، يفوق كل ما تعلمه من نصوص المشاهير على أهميتها، فالشهرة نفسها سرعان ما تصبح قيدا أمام الإبداع المتفجر والمعبر عن العمق الإنساني.

أكثر الأحلام التي تراوده العمل ضمن مؤسسة تُعنى بالتنوير الشعبي، حيث يمكن العودة إلى الكلام مع الناس البسطاء على طريقة سقراط، ويمكن العودة إلى تعليم الناس البسطاء في الحدائق على الطريقة الأبيقورية وداخل الأروقة على الطريقة الرواقية، وحيث يتعلم الناس في جامعات مفتوحة فن الحياة، وكيف يستمتعون بنسمة الهواء حين تداعب أجسادهم، وكيف يستعملون ملَكة العقل في القرارات المصيرية، وكيف يتحملون ضربات القدر مثل المرض والألم والأخبار المريعة، وحيث يمكن إلقاء محاضرات تعنى بإعادة بناء تاريخ الأفكار للناس البسطاء على طريقة الجامعة الشعبية، مثلما يفعل الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفراي.

يمكن إلقاء محاضرات تعنى بإعادة بناء تاريخ الأفكار للناس البسطاء على طريقة الجامعة الشعبية

الكتابة في الربيع

عن عوالم الكتابة وما يصبو إليه فيها يقول سعيد ناشيد: في الكتابة لديّ هدف متواضع وقابل للقياس، وهو أن لا أُتعب القارئ الذي يقرأ لي. أفترض أن القارئ ولا سيما المسلم والعربي -وهو صنف مهدد بالانقراض- بات منهَكا، محبَطا، مثقلا بالخيبات، وهو على الأرجح لا يأمل شيئا كبيرا من عالم الأفكار. وإذا ساهمت في جعل فعل “اقرأ” أمرا مريحا فسيكون ذلك إنجازا رائعا بكل المقاييس. أراهن بالأولى على الفرد، وأمقت إيديولوجيات البنيان المرصوص.

أمّا فيما يخص العقل العربي الغارق في سباته الشتوي يقول ضيفنا: سيبقى هذا العقل رهين سباته إلى حين نقرر بأنّ النوم الآمن نفسه لم يعد ممكنا في عالم تملؤه الأشباح. هناك لوحة رائعة لغويا تقول “عندما ينام العقل تستيقظ الأشباح”. وبالفعل، فقد استيقظت الأشباح وعاثت فسادا في الأرض وسفكا للدماء ودمارا للأوطان، وهي قد تقتحم علينا حتى غرف نومنا. في هذا الوقت بالذّات يصبح النوم الآمن غير ممكن، بل مجرّد موت وفناء. ولا أستبعد بأن أشباح نومنا هي التي ستوقظنا بنفسها. ويبقى السؤال حول الكلفة.

بخصوص موقف الكاتب من ثورات الربيع العربي، وإن كانت الشعوب العربية ستجني ثمارها يوما ما، يعلّق ناشيد قائلا: الموجات الثورية في التاريخ لا تحسم أمرها بين عشية وضحاها، أو خلال عام أو عامين، أو خلال أعوام قليلة.

لقد كانت التكهنات منذ البداية تؤكد بأنّ ثورات الربيع العربي ستستغرق عشر سنوات على الأقل قبل أن تظهر أولى ثمارها. ولا أنسى بأني منذ العام الأول لاندلاع هذه الثورات قلت إن هذا الربيع العربي ستتخلله شتاءات وأعاصير، والحال أننا نمر الآن بإحدى أشدّ مراحل الاضطراب قسوة. وأيا كان حجم النكسات فلا يجوز لنا أن ننسى بأنّ الوعي نفسه لن يعود كما كان قبل بدء هذه الموجة.
الحداثة تفضح المتحدثين باسم الإسلام لذا يرفضونها
فحجم الرّعب الذي يؤشر على أنّ أوقاتا عصيبة تنتظرنا، يمثل في المقابل قوة دفع غير مسبوقة نحو انبثاق وعي شعبي مناهض لقوى التطرف الديني كما نلاحظ الآن في أكثر من بلد من العالم العربي والإسلامي. وفي كل الأحوال ليس هناك مدخل آمن يقود الشعوب إلى المستقبل. وربما صدق من قال “الشعوب السعيدة لا تصنع التاريخ”.

كان للكاتب تصور عن الحقيقة في عالم اليوم، عما إذا كانت الحقيقة ما زالت هي القيمة السياسية المركزية، كما تصور لينين، يؤكد محدثنا أن “الحقيقة السياسية ليست شيئا يملكه البعض أو يدركه البعض دون الآخرين، إنها لا تولد ضمن المجال الخاص للأشخاص، ولا داخل أسوار بعض المؤسسات الجامعية أو الدينية أو حتى الحزبية، بل إنها تتشكل بفعل التّحاور والتّفاوض والتوافق والتّواصل داخل الفضاء العمومي، وهي بذلك ليست جوهرا قائما لكنها حدث يتبلور.

إنها سيرورة معقدة من التفاهمات والتنازلات والتسويات، تتطلب وعيا أخلاقيا وديمقراطيا جذريا. عموما، علينا أن نكون مستعدين للتفاوض في كل الأوقات وفي كل المجالات. بل لعل الأمر لم يعد مقتصرا على الفضاء السياسي، بل يشمل فضاءات عدة كذلك. فمثلا، إن الوصفة العلاجية التي يقترحها الطبيب ليست مجرد رؤية يبلورها الطبيب، ثم يفرضها على المريض، وإنما هي ثمرة تسوية بين الطبيب والمريض. وبالعودة إلى السياسة نقول إن الحقائق السياسية هي مجرد تسويات داخل الفضاء العمومي”.

يتناول الكاتب في أبحاثه الكثير من التابوهات والمواضيع المسكوت عنها، كالجنس، المثلية، شرف المرأة، وغيرها، عن اعتقاده إن كان من الممكن أن نشهد تحولا في المواضيع المطروحة للنقاش، خاصّة وأنّ مجتمعاتنا تحمل حساسية مفرطة تجاه تلك المواضيع، يحكي ناشيد “أحيانا أتناول المواضيع الأكثر حساسية، لكني أتناولها عند الضرورة وحين يفرضها السياق، ولا أتناولها لغاية الإثارة، لا أفعل هذا أبدا.

بل أحاول قدر الإمكان أن أتفادى أي شكل من أشكال الاستفزاز المجاني، بحيث أني أذهب إلى عمق الأشياء بهدوء وتروّ ودون أن أفقد سلاسة الأسلوب ووضوح الفكرة وبساطة الصياغة، لأن غايتي لم تكن في يوم من الأيام أن أصنع الإثارة، الإثارة تصنع فقاعات إعلامية لا غير. أومن إيمانا معرفيا وسلوكيا ووجدانيا بالقيم الكونية لحقوق الإنسان في أحدث مظاهرها، على رأسها احترام الميول الجنسية للأفراد، وحق المرأة في وقف الحمل، وإلغاء عقوبة الإعدام، ومنع زواج الأطفال والصغيرات، وتجريم مشاركة الأطفال في الحروب، وتجريم التحرش بالنساء، وهنا لست بمعرض مناقشة التفاصيل التشريعية، والتي هي قابلة للنقاش العمومي”.
القارئ المسلم والعربي بات منهكا، محبطا، مثقلا بالخيبات، وهو على الأرجح لا يأمل شيئا من عالم الأفكار
يضيف: أنا أتكلم عن المبدأ، أرفض أن يعاقب أي شخص لأسباب دينية، بمعنى، أرفض أن يعاقب أي شخص سواء بسبب ممارسة أو بسبب عدم ممارسة شعيرة دينية لا تخل بالأمن العام. أومن بالحرية الدينية وأناضل من أجلها، وأعتبرها مبدأ حيويا من مبادئ العيش المشترك بين الجميع ودون أي استثناء”.

بخصوص رسالة سعيد ناشيد في تجديد الخطاب الديني، وعن اعتقاده بأنّ رسالته التنويرية لاقت رواجا في المجتمعات العربية، يقول محدثنا: الردود التي أتلقاها مشجعة، وأكثر ما يثلج صدري أن أتلقى رسالة أو اتصالا هاتفيا من سجين ليبرالي في السعودية، أو سجين يساري في فلسطين، أو جمعية نسائية في النجف، أو نقابة طلابية في الصومال، أو ابن لشهيد كردي قاتل ضدّ داعش، إلخ… رغم ذلك أفضل أن أعتمد على الحكمة التي تقول “هذا اليوم، هو أول يوم ضمن ما بقي لي من أيام العمر”.

ويواصل ناشيد: أحب دائما أن أقول، سأبدأ من اليوم. وفي كل مرة أشعر بأني لا أزال في البداية. دعيني أقول لك: أتمنى أن نلتقي بعد عشر سنوات من اليوم، لتطرحي عليّ ذات السؤال، وآمل وقتها أن تجدي عندي جوابا آخر غير هذا الجواب “سأبدأ من اليوم”.

إسلام الأغبياء

يرجع الكاتب الإرهاب دوما إلى الفكر الذي يغذيه، عن اعتقاده إن كان تجديد الخطاب الديني يمكنه أن يمتص مكامن الإرهاب، يجيب ضيفنا:

“المعركة ضدّ الإرهاب هي بالأحرى معركة أفكار، إنها معركة تجديد الخطاب الديني في كل مستوياته التعليمية والإعلامية والمسجديّة، لأن الخطاب الديني الذي لا يزال يستعمل مفاهيم الطاعة والجماعة والعورة والغزو والغنيمة والسبي، يمثل بيئة فكرية حاضنة للتطرف والإرهاب. إن المفاهيم ليست مجرّد وسائط للتعبير لكنها أيضا أو بالأحرى أدوات للتفكير، إنها تحدد اتجاهات الوعي ومصائر الفكر داخل أي مجتمع من المجتمعات. إن كل المفاهيم الفقهية التي أنتجها فقهاء العصر الإمبراطوري يجب أن تمحى من التداول الخطابي اليومي. إننا في زمن آخر، ليس زمن الفتوحات والتوسعات الإمبراطورية.

المعركة ضدّ الإرهاب هي معركة تجديد الخطاب الديني في كل مستوياته

ويضيف ناشيد: يجب أن ينتقل الخطاب الديني من مفاهيم العصر الإمبراطوري إلى مفاهيم عصر المواطنة. وطبعا حين يسألني أحدهم، ماذا عن وظيفة النص القرآني في عصر المواطنة؟ لا أتردد في الإجابة أن وظيفة القرآن الكريم وظيفة تعبدية؛ نصلي به، نبتهل به، نتعبد بتلاوته، نرتله ترتيلا، وليس هناك من وظيفة أعظم من هذه الوظيفة الروحية السامية. بل لا أتردد في القول إن إقحام القرآن في الصراع من أجل السلطة أو المال أو الشهرة يعني تدنيسه، لا أقل ولا أكثر”.

يقول سعيد ناشيد: لا يعني الإسلام أن ألعب دور الأبله في عالم لا يحترم الأغبياء”. عن ذلك يعلق: “إسلام الأغبياء هو الإسلام الذي لا يرى الفساد في استباحة الدماء وسبي النساء وقتل الأحياء، لكنه يرى الفساد كل الفساد في مجرد تنورة أو قُبلة ضمن وصلة إشهارية، إسلام الأغبياء هو الإسلام الذي لا يكترث بـ”عري” الفقراء والجياع والمشردين، لكنه يفتش عن “العري” في الشواطئ والمسابح والمقاهي، إسلام الأغبياء هو الإسلام الذي يحارب التفكير ويمقت الإبداع ويحتقر أي طموح إنساني، وبجرة قلم أو سلاطة لسان يقوّض أركان كل النظريات العلمية والفلسفية. إسلام الأغبياء هو إسلام الجهلوت.

باسم نصوص الإسلام تقرر بعض الجماعات الحكم على الزاني بالرجم، وعلى السارق بقطع اليد، ألا يرى أن العنف يأتي من قلب النص الديني أم إننا نحتاج إلى ثورة في مجال التفسير؟ عن ذلك يجيب ناشيد: النص القرآني ليس قانونا جنائيا. وبكل تأكيد، لن أملّ من القول إن أحكام النص القرآني تخص المخاطبين المحددين حسب كل آية، كأن يكونوا الأنصار مثلا، أو المهاجرين أحيانا، أو نساء الرسول حصرا، أو كفار قريش عامة، أو يهود المدينة على وجه التحديد، ولذلك لا يمكن الحديث عن أحكام مطلقة في الزمان والمكان، وإلا فإننا سنضطر إلى اعتبار أحكام الآيات التي تحرض على الهجرة مثلا سارية المفعول حتى بعد فتح مكة، وهذا غير معقول. لذلك لن أملّ من القول إن وظيفة القرآن الكريم وظيفة تعبدية خالصة”.

يقول الكاتب إن “الحداثة تفضحهم لذا يرفضونها”، عن اعتقاده بحتمية انتصار الحداثة.. يختم “طبعا هناك مأزق حقيقي يجب أن ندركه، فعلى سبيل المثال، لا يمكن لشيخ متزوج من طفلة في سن الخامسة عشرة أن يتبنى خطاب الحداثة الذي سرعان ما سيتهمه بالاعتداء الجنسي على الأطفال (البيدوفيليا). هنا الورطة، وهذا مجرّد مثال واحد، وبهذا النحو يكون رفض الحداثة عند الكثيرين نوعا من التغطية على “الفضيحة”. هذا هو الذي قصدت قوله، لا أعرف ما الذي سيحدث غدا أو حتى بعد غد، لكن المؤكد أننا منذ الآن أمام خيارين: إما التمدن والحداثة، وإما الهمجية والبداوة”.

15