الخطاب الذكوري والهوية النمطية للمرأة في الأدب الأنكليزي

منذ العصور القديمة يُسقط العديد من الكتّاب أحلامهم ومخاوفهم على صورة المرأة، راسمين هويتها على نحو سلبي يشير إلى أنها "ما ليس في الرجل". وتشكل هذه الهوية النمطية التي يختلقها الخطاب الذكوري، بوصفها "الحقيقة"، أو الرأي الذي تتفق عليه الإنسانية جمعاء، واحدة من أهم الوسائل التقليدية التي يسوّغ بها الرجال إخضاعهم للنساء.
الأربعاء 2016/04/20
إعادة بناء مجتمع النساء

جاء النقد النسوي، بعد قرون من التسليم بالهوية التي رسمتها النظرة الذكورية للمرأة، ليعيد قراءة ما أنتجه الكتّاب من صور نمطية للمرأة.

من بين الكتب التي نحت هذا المنحى كتاب "الأدب والنسوية" للناقدة البريطانية بام موريس، الذي حقق انتشارا واسعا، وتُرجم إلى لغات عديدة منها العربية، حيث ترجمته سهام عبدالسلام.

يتألف الكتاب الصادر ضمن منشورات المشروع القومي للترجمة في القاهرة، من بابين جامعين للحقلين المتضمنين في عنوانه، أي الأدب والنسوية، وتكشف موريس فيه الصورة النمطية للمرأة في كلاسيكيات الأدب الإنكليزي، التي جرى الاعتراف بها كجزء أصيل مما يُعرف بـ "الأدب العالمي".

وتختار موريس نماذج للتحليل أعمالا متباينة من حيث أنواعها الأدبية والعصور التي تمثلها، مثل: ملحمة "الفردوس المفقود" لميلتون، ورواية "الآمال الكبرى" لديكنز، ومسرحية "سيمبلين" لشكسبير، وديوان "لوسي" لووردزوورث، و"أقاصيص كانتربري" لشوسر. فهذه الأعمال تقدم المرأة من خلال صورتين ذهنيتين منمطتين، حيث تظهر النساء إما متمردات يجري احتواؤهن في إطار صورة، أو مجاز الساحرة، أو الشيطانة الواجب نبذها، وهاتان الصورتان مثال مهم على الدور الذي يلعبه الأدب في صوغ أنماط مختلقة تصبح هي الإطار المعبر عن الواقع.

تبحث موريس أيضا في إسهام النقاد، ومؤسسة النقد عموما، في تنفيذ التوجه ذاته، فرغم كثرة عدد النقاد في تاريخ الأدب، تتقارب وجهات نظر معظمهم، وأشهرهم من الرجال الذين يجتمعون، في الأغلب، على قراءة التقارب بين الشخصيات النسائية على أنه نوع من الانحراف، والتقليل من قيمة الأعمال الأدبية للنساء في حيد واضح عن الموضوعية. وكثيرا ما تُنشر أعمال لنساء من دون التفات إليها من طرف النقاد فتوأد.

وتقدم موريس عرضا تعريفيا تحليليا لثلاثة نصوص نسائية معاصرة تشكّل في مجملها أهم ثلاثة تيارات في ما يعرف بالأدب النسوي، يحاول الأول فتح مجال لطرح رؤية نسائية من خلال الأساطير السائدة، وتوظيف بعضها ضد بعضها الآخر، أو تفكيكها، كما في أعمال أجنس سميدلي، التي تدعم أسطورة "ابنة الأرض"، أو تصور الأرض على أنها امرأة معطاء خصبة لترد بها على أسطورة أوديب المؤسسة لضرورة تماهي الذكر والأنثى مع السلطة الأبوية.

ويهتم التيار الثاني بإعادة بناء مجتمع النساء، وصياغة العلاقات بينهن من خلال عودة الكاتبات إلى تراث إثني مغاير للتراث الغربي السائد، واستحضار صور ونماذح بديلة، كما في أعمال توني موريسون التي تستحضر صيغة حياة المرأة السوداء في أميركا المبنية على الود والحميمية، وتعيد إصدار صورة المرأة القوية المقتبسة من هذه الثقافة السوداء أيضا. أما التيار الثالث فهو التيار "الواقعي" الذي ينظر إلى الأدب بوصفه مرآة عاكسة للمجتمع، ولكنه أيضا يقول إن عملية نقل الواقع من المجتمع إلى الأدب عملية انتقائية.

الكاتبات الواقعيات يقمن بالتسجيل الأدبي لتجارب النساء، ويعملن على أسس انتقائية مضادة تهدف في النهاية إلى خلق تساو بين واقع النساء وواقع الرجال

وتقوم الكاتبات الواقعيات بالتسجيل الأدبي لتجارب النساء، ويعملن على أسس انتقائية مضادة تهدف في النهاية إلى خلق تساو بين واقع النساء وواقع الرجال، أو هذا "الواقع الاجتماعي" كما يعيشه ويراه كل من النساء والرجال بهدف الوصول إلى صورة اجتماعية أكثر عدلا.

يبدو الباب الثاني من الكتاب، الذي يتناول بعض التوجهات النظرية النسوية، أكثر إثارة للجدل من الباب الأول، وفيه تركز موريس على علم النفس والكتابة النسائية، وما بعد البنيوية، والنساء في التاريخ من خلال مجموعة محاور هي: البناء الاجتماعي للنوع، الكتابة كامرأة، هويات في حالة سيرورة، وعودة إلى النساء في التاريخ. لكن تصنيفها هذا يقدّم مشروع الكتابة النسائية وكأنه منفصل تماما عما يدور على الساحة النقدية.

ورغم اقتراب بام موريس، من ناحية المنهج، إلى ما بعد البنيوية متعددة الروافد، فإن تشديدها على علم النفس يأتي على حساب الروافد الأخرى، ويجعل جهدها النقدي يفتقد إلى التوازن في عرض المدرسة النسوية الفرنسية، والنقد اللاذع الذي وجه إليها من قبل النسويات ما بعد الاستعماريات، والنسوية السوداء.

يضاف إلى ذلك تركيزها على مفهوم الهوية، وتبنيها لفكرة "الهوية النسائية" كعنوان وتعريف جامع تقتبسه من النسوية الفرنسية المنادية بعالمية الحركة، مع تخطيها للنقاش الشائك الذي دار حول تحديد ما إذا كانت هذه الهوية مبنية على التعريف البيولوجي للنساء، ومن ثم تكون قهرية مفروضة على كل من تولد امرأة ولا يمكن الخروج عنها.

15