الخطاب الرديء ودروس الماضي في تونس

السبت 2016/01/23

حالة من القصور السياسي تفرض نفسها بقوة في المشهد التونسي الشائك تعرّي هشاشة أصحاب القرار في التعاطي مع الأزمات الداخلية، خاصة مع توسع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتشغيل وقطع دابر البطالة في محافظات عدة بدا هول مآسيها أعمق من مسكنات الحكومة الرامية إلى إخماد نيران الغضب بقرارات ارتجالية تبرز الهوة السحيقة بين نظرة أصحاب الكراسي الوثيرة وأحلام المعطلين الثائرين من تعاظم الفاقة.

تحرك الحكومة لتخفيف حدة الغضب يحمل من التناقضات ما يجعل من الوضع أكثر قتامة، ويعرّي سياسة المسكنات الفاقدة لأي تصور تشغيلي وتنموي.

بين ليلة وضحاها تجد الحكومة عصاها السحرية المتوارية عن أنظار المهمشين وتتخذ قرارات أهمها تشغيل خمسة آلاف شاب في محافظة القصرين لاحتواء التحركات دون إدراك لخطورة تبعاتها الآذنة لباقي المدن والمحافظات بالاحتكام للشارع كوسيلة وحيدة لنيل حق مهضوم.

تحركات يناير 2016 بدت مختلفة عن سابقاتها، وأظهرت أن الشارع هو سيد الموقف فلا الحكومة قادرة على تمييع الاحتجاجات واجترار علكة المندسين والمخربين، ولا المعارضة وجدت في الثائرين صهوة للركوب على موجة الاحتجاجات العفوية النابعة من رحم الخصاصة في محافظات سقت دماء شهدائها ثورة يناير وديدن الفقر في أرجائها كأنهم معاقبون.

حان الوقت كي تتعظ الطبقة السياسية من دروس السابق وتقطع مع رتابة الخطاب المنمق بوعود واهية لا تستطيع الصمود أمام قوة الشارع اليائس من الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، والفاقد لأي ثقة في أداء السياسيين بمختلف ألوانهم وأيديولوجياتهم.

شرارة القصرين تؤشر على أنه لا ضير للتاريخ بأن يعيد نفسه مادامت الدروس لم تستخلص وصفحات المساواة لم تحبر وكتاب العدل لم يقرأ وغشاء الفساد لم يرفع، لذلك من الضروري أن تعمم الحكومة إجراءاتها التنموية بعيدا عن أي حسابات ترقيعية، لأن إسكات صوت واحد قد يطلق صرخات أقوى تزيد من تعقيدات الوضع المتأزم.

تونس النموذج العربي المستحب في زمن الثورات تؤكد أنها استثناء في منطقة عربية ساخنة وتبعث برسالة بأن لا عودة إلى عصر المقايضات وتغييب المطالب الشرعية بتوظيف بعبع الإرهاب للتغطية على الأداء السياسي المهترئ، لا خيار الآن سوى العمل بخيارات صائبة تنهي الحسابات السياسوية الضيقة وتضع مطالب العاطلين على رأس الأولويات دون أي تسويف.

لا بد إذن من خطاب وجيه يقطع مع سياسة الهروب إلى الأمام ويضع الإصبع على الداء، فلا المقاربة الأمنية ناجعة ولا ذرائع الماضي صالحة، لا شيء سوى القضاء على المحسوبية والفساد وخلق مواطن شغل تشفي غليل الرازحين تحت نير الفقر.

إن الاحتجاجات في بعدها الرمزي نتيجة حتمية لإرهاصات المشهد السياسي بعد الثورة الذي طغت عليه التحالفات المقنعة والوجوه المسقطة مع نظرة ازدراء للمطالب الحقيقية التي كانت وقود ثورة تونس.

كاتب صحفي تونسي

9