الخطاب الروائي الأميركي

الخميس 2017/10/26

في إشاراتنا المتواصلة إلى انفجار ثورة روائية عراقية غير مسبوقة بعد عام 2003 كنا نشير ضمنا إلى قلة حيلة النقد في مواكبة هذه الثورة في سردها الانفجاري الكبير وعجزه عن مواكبة عشرات ومئات السرديات الروائية التي أغرقت السوق العراقية والعربية بكمِّ كان يحتاج إلى غربال نقدي حقيقي لهذا الكم الذي بدأ ولم ينته بعد ولا نظنه سينتهي في القريب العاجل.

ليس مهما أن يكون السرد العراقي فاق نظيره العربي كما لا نوعا فهذه تجربة مطلوبة في الحالات كلها، كما لو هي تمرين سردي مطلوب لتجاوز مراحل الخوف التي تبتكرها عادة أطر التجربة النامية وربما تخضع لسطوتها في أوقات معينة، لتتشكل لاحقا ملامح مقبولة لأجيال تعاضدت على الكتابة بعد انفتاح مفاجئ غير مقرون بشروط ولا رقابات سياسية وعسكرية.

وحينما نرى أن النقد العراقي لم يكن بمستوى هذا الانفجار الروائي فإنما كنا نطالبه بأن يضع أسسا نقدية معقودة على تبصّر نقدي إزاء كم سردي كبير توزع هنا وهناك وبالتالي نؤاخذ عليه هذا التلكؤ في مواكبة وملاحقة النوع الروائي من بطن هذا الكم ليكون حافزا لأجيال متداخلة مارست وتمارس الكتابة الروائية بطريقة مفتوحة ومنفتحة.

وعلى قلة الكتابات النقدية في ميدان السرد الذي يتابع هذه الثورة الروائية يأتي كتاب الدكتور عبدالكريم السعيدي “الخطاب الروائي العراقي والأمريكي– دراسة مقارنة في روايات ما بعد التغيير” جديدا بنوعه ومفارقاته الأسلوبية المنهجية التي أخضعت الروايات العراقية “ما بعد التغيير” إلى فحص نقدي مقارن مع روايات أميركية صدرت بالتواريخ ذاتها.

لكن من وجهة نظر كتّاب أميركيين، وهذا الجديد النقدي غير المألوف في التناول العام سيكون أكثر إثارة حينما نقرأ لروائيين خلصوا بتجارب سردية من الحرب ذاتها، لكن من الطرف الآخر الذي لا نعرف قناعاته الفنية والفكرية والعقائدية كثيرا سوى ما نقرأه من معطيات أدبية عابرة وملخصات غير كافية لما يفكر فيه الآخر الذي خاض التجربة ذاتها بزمنها ومكانها العراقي لنرى حجم الرؤية الفنية بين فريقين مثلما نرى حجم التفاوت الفكري بين جهة وأخرى.

الباحث د. عبدالكريم قدم دراسة مقارنة غير مقيدة بمنهجية ثابتة بين عدد كبير من الروايات العراقية وبين 19 رواية أميركية تناولت ميدان الحرب وانعكاساته المباشرة وغير المباشرة على السرود الأميركية بغية دراستها دراسة اجتماعية وأيديولوجية وثقافية مقارنة. كما هي فرصة للساردين العراقيين أن يقرأوا لنظرائهم الأميركيين في الثيمات ذاتها لكن من خلف الساتر الأميركي المدجج بالأسلحة الفتاكة.

عبر هذا الكتاب عرفنا بعض الروائيين الأميركيين الساخرين من الحرب مثل ديفيد رامز بروايته “Fobbit” والمعارضين مثل كيفين باورز بروايته “الطيور الصفراء” والرافضين مثل بين فونتاتس بروايته “مسيرة بيلي بين الطويلة” والمؤيدين لها أيضا مثل لوركا لارسون في روايته “ابن السناتور” وهؤلاء؛ مجتمعين؛ باختلاف نزعاتهم الفنية والجمالية والفكرية أرّخوا لوقائع حربية كثيرة أثناء الغزو الأميركي للعراق مهما كانت نسبة التشويه المتعمدة عند بعضهم، أو الفهم القاصر لطبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع العراقي، أو الدس المفضوح لتقسيم البلاد على ولاءات طائفية ومذهبية.

إلا أنها تبقى وثائق سردية مهمة ينبغي الاطلاع عليها لفهم جزء من تلك التركيبة الفكرية والفنية في الرواية الأميركية التي اغترفت من الواقع ذاته الذي اغترف الروائيون العراقيون منه.

إن روايات مثل “مركز بغداد –لايلوت كولا” و”المدفع –لجوزيف مكليروي” و”خمسة وخمسة وعشرون- لمايكل بيتر” و”سبارتا–لروكسانا روبنسون” و”أشباح الحرب – لريان سمثسون” وغيرها من السرديات الأميركية، ستعطينا وجها آخر من المفارقة العسكرية التي وقعت وتسببت في احتلال العراق.

كاتب عراقي

14