الخطاب الطائفي في اليمن نتاج نسق اجتماعي وسياسي مركّب

الخميس 2014/10/02
يمنيون يتظاهرون للمطالبة بإخراج الحوثيين من صنعاء

“قراءة في النسق الاجتماعي والسياسي”، دراسة تتناول بنية الخطاب الطائفي في اليمن وانعكاساته على ما يجري اليوم في البلاد. يعود الجزء الأول من الدراسة إلى عهد سقوط المملكة المتوكلية وظهور النظام الجمهوري لفهم طبيعة الطائفية في اليمن وتبيان أسبابها وخلفياتها.

مع قيام النظام الجمهوري في القسم الشمالي من اليمن جراء إعلان بعض الضباط اليمنيين الثورة على حكم الإمام محمد البدر في الـ 26 من شهر سبتمبر عام 1962، بدأت مسيرة طويلة من الحرب الأهلية بين أنصار المملكة المتوكلية اليمنية ومؤيدي الثورة اليمنية من مختلف القبائل والفئات والشرائح الاجتماعية.

على الصعيد الإقليمي لم ينجو اليمن من التدخل الخارجي الذي ابتدأ مع تدخل القوات المصرية، في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، لدعم قوى الثورة والتغيير في البلاد وفق رؤية الحكومة والإعلام المصري وقتها.

على أن الأمر في اليمن لم يقتصر على محاربة الإمام محمد البدر وأركان حكمه، كما لم يتوقف الصراع عند حدود زمنه التاريخي فقط، بل أخذ بعدا أعمق وشمل مساحة اجتماعية أوسع، وبلغ حدا فكريا طائفيا لم يشهد له اليمن مثيلا في مختلف حقبه السياسية السالفة.


التحول التاريخي وظهور اليمن الحديث


في هذا الإطار استهدفت قوى الثورة والتغيير بالنقد والهجوم عبر إعلامها وخطابها السياسي والفكري، الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها الإمام محمد البدر وأسرته الحاكمة، وهي شريحة الهاشميين، واستهدفت بعض تلك القوى طائفته المذهبية بالتأجيج والتشويه، وكأن الثورة جاءت لا لتنهي حكم نظام سياسي عرف باسم “المملكة المتوكلية اليمنية”، بل جاءت لتنهي حكما طائفيا وتلغي شريحة اجتماعية ينتمي إليهما عدد كبير من ضباط الثورة نفسها، وتلك هي المفارقة الغريبة في هذا النسق.

القوة ليست محصورة في أيدي طبقة مسيطرة أو صفوة حاكمة بل هي منتشرة بين مختلف أركان فئات المجتمع بأكمله

يشير مطهر الإرياني في مقدمته لمذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، الصادر حديثا في مجلدين، إلى أن امتداد الحركة الوطنية في اليمن التي أسقطت حكم المملكة المتوكلية اليمنية عام 1962، يعود إلى أواخر القرن الثالث الهجري، أي إلى عهد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المتوفى سنة 298هـ، الذي قدم إلى اليمن من الحجاز بدعوة من القبائل لمساعدتهم في مواجهة الحركة الإسماعيلية ذات البعد القرمطي، لاسيما مع داعيها علي بن الفضل الخنفري، المخالف بإجماع العلماء صريح الكتاب والسنة الصحيحة، بارتكاب كثير من المخالفات الشرعية التي تقيم عليه الحد، لكنه في نظر الأستاذ الإرياني ثائر متحرر يستحق الإشادة، لكونه محارب لنظام الإمامة.

وفي هذا يقول: “وهي في نشأتها الأولى (يقصد الحركة الوطنية الحديثة) ظهرت كمقاومة شعبية وطنية، تناهض الدعوة إلى نظام الحكم الإمامي كنظام حكم مستفز للمشاعر الوطنية، فقارعته بالسلاح، ونازلته في ميادين الحروب والمعارك، وذلك خلال العقدين الأخيرين من القرن الثالث الهجري الموافق لأواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر للميلاد”.

في إطار آخر يثير مطهر الإرياني نوازع عصبية قديمة ليس لها أي أساس في اليمن، وليس للهاشميين على وجه الخصوص أيّة علاقة بها منذ ابتداء نشأتها في سياق الحكم الأموي، وهي قضية الصراع بين القبائل القيسية العدنانية والقبائل اليمنية القحطانية.

ويعتبر الوجود الهاشمي في اليمن، الضارب بجذوره إلى أواخر القرن الثالث الهجري مع قدوم الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسي، جزء من الصراع بين عرب الشمال وعرب الجنوب وفق تعبيره.

الشرائح المجتمعية في اليمن
شريحة السادة وهم الهاشميون بوجه عام

شريحة القضاة وهم الطبقة العلمية

شريحة القبائل وهم أبناء القبائل اليمنية

شريحة التجار والصناع وأصحاب الحرف والمهن التقليدية

وفي هذا السياق يقول: “ولاشك أن ظاهرة (العصبية بين عرب الجنوب وعرب الشمال) التي استشرت في أقطار الإمبراطورية العربية الإسلامية من خراسان إلى بلاد الأندلس، وذلك منذ بداية العصر الأموي إلى ما بعده من العصور، قد جعلت الدعوة إلى نظام الحكم الإمامي الهدوي في اليمن، تبدو وكأنها لا تعدو أن تكون في أعين كثير من اليمنيين مجرد موجة من موجات التعصب القبلي الشمالي ضد اليمانية، جرتها المقادير أو دفعتها الرياح، لتغزو اليمن في أرضه وتحل على أهله في عقر دارهم وبين ظهرانيهم”.

وحتما فإن في ذلك تجنّ كبير، واتهام خطير بأن الهاشميين الذين يمثلون عرب الشمال، وفق تعبيره، قد استهدفوا غزو اليمن، وجثموا على أهله محتلين أرضهم، ومستعبدين أهلها، وهو ما لا يقبله أي باحث يمني حر، ويرفضه كل اليمنيون الأحرار.

على أن محاولة الربط بين الهاشميين وقضية الصراع بين العدنانية والقحطانية، ليست وليدة أفكار مطهر الإرياني، وإنما هي فكرة قديمة عمد إلى إثارتها قاسم غالب، حيث يذكر الشيخ سنان أبو لحوم ذلك في مذكراته بقوله: “ويوم 12 /10 /1961 كنت في البيت متعبا فزارني قاسم غالب وتحدثت معه كثيرا، وكان عائدا من القاهرة وأثنى على البيضاني، وقال: إننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة، فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية، وهو كان من دعاة ذلك”.

وفي هذا السياق وجبت الإشارة إلى أنّ المجتمع في الشمال اليمني قد تميز بحفاظه على خصائص تقسيماته المجتمعية، التي تنقسم إلى عدد من الشرائح التقليدية، المنتمية بجذورها إلى مرحلة ما قبل الصناعة والرأسمالية، وهي:

◄ شريحة السادة وهم الهاشميون بوجه عام.

◄ شريحة القضاة وهم الطبقة العلمية سواء كان مرجعهم من فئة القبائل اليمنية، أو ممن يرجع بأصوله إلى العرق التركي ممن استقر به المقام في اليمن مع الوجود العثماني وإثر سقوط دولتهم.

◄ شريحة القبائل وهم أبناء القبائل اليمنية من حاشد وبكيل علاوة على مذحج وحمير

◄ شريحة التجار والصناع والحرفيين وأصحاب المهن التقليدية، الذين يقبع بعض منهم في قاع سُّلم درجات المجتمع بحسب ما تقتضيه مبادئ العرف الاجتماعي في اليمن.

مسارات القوة الاجتماعية اليمنية
مفهوم النظرية التعددية

نظرية الصفوة الحاكمة

نظرية الطبقة المسيطرة


خصائص القوة في المجتمع اليمني


اهتم علماء الاجتماع السياسي على وجه الخصوص بدراسة مناحي وخصائص القوة والنفوذ داخل أروقة مختلف المجتمعات التي تتميز عن بعضها البعض بخصائص متغايرة وفقا لسمات كل بيئة، فكان أن تنوعت أراؤهم النظرية بتنوع مدارسهم الاجتماعية ومبادئهم الأيديولوجية ونظرتهم المعرفية، لترتكز تحليلاتهم لملامح القوة الاجتماعية ضمن ثلاثة مسارات رئيسة تتمحور حول:

◄ مفهوم النظرية التعددية.

◄نظرية الصفوة الحاكمة.

◄ نظرية الطبقة المسيطرة.

يفرض المساران الأخيران ، انخراط فئات المجتمع بشكل عام ضمن نمط تراتبي، تشكل مفاصله معطيات سياسية وثقافية صارمة، يصعب على المرء تجاوزها في عديد من المجتمعات، الأمر الذي لا تتطابق أشكاله كليا مع أشكال الحراك الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي في اليمن، الذي تتشارك عناصر شرائحه الاجتماعية المتنوعة، بشكل أو بآخر، في تشكيل ملامح وسمات وخصائص القوة والنفوذ فيه، وعلى مختلف أصعدته الاقتصادية والثقافية والسياسية أيضا.

ويمكن تلمس أطر تلك القوة الاجتماعية ضمن خصائص بعض تلك الشرائح، كشريحة السادة وشريحة القضاة وشريحة القبائل، التي تبلورت قسمات قوتها ونفوذها وفقا لعدد غير قليل من المعطيات الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية خلال قرون عدة، مما شكل المجتمع اليمني ضمن حالة من الفسيفساء الاجتماعي المتجانس تارة، والمتعارض تارة أخرى، بحسب طبيعة الأوضاع السياسية، وهوية الحكم السائد.

وهو ما يجعله متوافقا في جوهر كينونته مع أراء رواد النظرية التعددية للقوة من علماء الاجتماع السياسي، الذين يرون بأن القوة ليست محصورة في أيدي طبقة مسيطرة، أو صفوة حاكمة، بل هي منتشرة بين مختلف أركان فئات المجتمع بأكمله، “حيث يكون لكل جماعة سياسية وزنها الخاص في حلبة صنع القرار السياسي”. الأمر الذي تنعكس بموجبه أثاره الإيجابية على واقع الحال الاجتماعي لديهم، المتمثل في تأكيد فرض حالة السلم الاجتماعي بين مختلف شرائحه الاجتماعية من جهة، وتأكيد استمرار حالة التوازن المجتمعي بين مختلف تلك الشرائح في كثير من الفترات التاريخية السالفة من جهة أخرى.

7