الخطاب العربي السائد بين النص المفتوح والكتابة العدوانية

تتواصل فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والثلاثين إلى غاية 14 نوفمبر الجاري، وضمن فعاليات البرنامج الثقافي ناقشت ندوة بعنوان “تماهي الأجناس الأدبية” عدّة محاور منها الخطاب العربي السائد والنص المفتوح ومختلف مظاهر التمرّد ومعاني الحداثة وغيرها من المواضيع، شارك فيها ثلاثة من الروائيين العرب هم الكاتب والباحث التونسي شكري المبخوت، الفائز بجائزة البوكر العربية لعام 2015 عن روايته “الطلياني”، والروائية الإماراتية فاطمة سلطان المزروعي، والروائية اللبنانية هدى بركات، وقد أدارتها الأديبة أسماء الزرعوني. كما ناقشت ندوة “الكتابة ومواجهة الراهن”، التي أدارها الإعلامي محمد غباشي وشارك فيها الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ والكاتب البريطاني جون مكارثي والروائية الباكستانية موني محسن، مختلف التحديات التي تفرزها الكتابة العدوانية، ودور الكتابة المعرفية في مواجهة الأفكار الهدامة.
الأربعاء 2015/11/11
حبيب الصايغ وجون مكارثي وموني محسن في ندوة "الكتابة ومواجهة الراهن"

بدأ الكاتب والباحث التونسي شكري المبخوت نقاشات جلسة ندوة “تماهي الأجناس الأدبية”، التي اقيمت، مؤخرا، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، في دورته لهذا العام، مؤكدا أن معنى النص المفتوح يرتبط بشكل كبير بنزعة التمرد على القوالب الأدبية الأخرى، ورفضه الانصياع لهذه القوالب والخروج عن القواعد النمطية في تقديم النص السردي، وفيه يصبح النص متحركا، وغير واضح المعالم مثلما يحدث للشعر حينما يقف على الأطلال، ولكن نلاحظ أن هذه النصوص قليلة ونادرة جدا، فكما هو الحال في ثقافة الملبس التي نفضل فيها ارتداء الملابس النمطية والمعتادة، بالرغم من وجــود خيــارات أخرى أكثر إبداعا وجمالا.

من جهتها لفتت فاطمة سلطان المزروعي إلى نقطة اعتبرتها جوهرية وأساسية، وهي أثر الكتابة على البشرية ذلك الأثر الذي لا يخفى على الجميع، وقدرتها على التأثير الشامل في كافة مفاصل الإنسان نفسه، ثم على تاريخه وحياته وتقدمه وتطوره.

وأضافت المزروعي “نحن نبحث الآن في نوع من أنواع الكتابة، فالإنسان ومنذ فجر الكتابة في حالة بحث متواصل عن التنويع في أساليب الكتابة، وقام من خلال هذا البحث بالزج بمصطلحات وسحب أخرى وابتكار وسائل جديدة، فكل تيار يحاول أن يقدم المتميز والأكثر حضورا وتقبلا”.

وحول رؤيتها لمفهوم النص المفتوح قالت المزروعي “إذا وجدنا النص يأتي من مؤلف معروف ويتوجه نحو قارئ معروف ولكنه لا يحمل معنى واحدا أو أنه يتعرض لجملة من التفسيرات المتعددة، فنكون هنا أمام ما يسمى بالنص المفتوح، وعكسه تماما النص المغلق، حيث تمّ تعريفه من الدارسين بأنه نص قد يكون ضبابيا ورمزيا، لكنه وعلى الرغم من هذا فإنه لا يحمل إلا رؤية واحدة، بمعنى أن الجميع يتفقون على معناه ومحتواه دون صعوبات، فمثلا عندما تقرأ نصا علميا أو قانونيا أو دراسة جغرافية أو تاريخية، فأنت تقرأ شيئا محددا وإن اختلف الأسلوب وقوة الكلمات، فالمعنى واحد والنتيجة واحدة، وفي مجال الأدب قد تلاحظ النص المغلق في الروايات أو القصص القصيرة التي تحمل طابعا بوليسيا أو جاسوسيا”.

وذهبت المزروعي بعيدا عندما أشارت إلى أنها كمؤلفة ليست مشغولة بمثل هذه المصطلحات وقالت “من غير المهم لديّ أن يقال عني بأنني أكتب نصا مغلقا أو مفتوحا، لأنه لا يؤثر في جذب القارئ، فمهمة تصنيف النصوص ليست من مهام القارئ، فهو يبحث دائما فقط عن النص الجميل والمؤثر الذي يرافقه ويشعر به ولا يهمّه جنس هذا النص بقدر ما يهمّه احترامه لعقليته وتفكيره”.

النص المفتوح يرتبط بشكل كبير بنزعة التمرد على القوالب الأدبية الأخرى ورفضه الانصياع لهذه القوالب

واعتبرت هدى بركات أن المعيار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نحدد أن النص الذي أمامنا مفتوح أم لا هو مدى انفتاح هذا النص على الفنون الأخرى، وقالت “للرواية وللنص سلطة قوية في هضم واحتواء الفنون الأخرى، لذلك نلاحظ مدى أهمية تفاعل الروائي مع الفنون الأخرى التي من حوله، فالروائي المثقف في عالمنا اليوم لم يغد ذلك الرواي الذي يتميز بكثرة القراءة وغزارة المصطلحات والمفردات والمعلومات، فعندما يكتب الراوي اليوم يعتريه إحساس قوي بأنه أصبح على تواصل فيزيائي مع الرسم والألوان والضوء”.

الكتابة العدوانية

من ندوة النص المفتوح إلى ندوة “الكتابة ومواجهة الراهن” والتي ركزت على التحديات التي تفرزها الكتابة العدوانية، ودور الكتابة المعرفية الهادفة في مواجهة الأفكار الهدامة والعدوانية، والتي شارك فيها كل من الكاتب والشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، رئيس مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، والكاتب والمذيع البريطاني الشهير جون مكارثي، والكاتبة والروائية الباكستانية الساخرة موني محسن، بينما أدارها الإعلامي محمد غباشي.

وقال حبيب الصايغ “تنقسم الكتابة إلى قسمين هما الكتابة المعرفية التي تهدف بشكل أساسي إلى التنوير وتعزيز الوعي، وكتابة عدوانية تتسم بالقسوة، وهو ما نلمسه اليوم في كتابات التيارات الإرهابية والمتطرفة، واعتبر أن محاولة قتل الطفلة الباكستانية ملالا، وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، واعتقال الصحفي البريطاني جون مكارثي لخمس سنوات هي نوع من أنواع الكتابة العدوانية”.

وأضاف الصايغ “الخطاب العربي السائد الآن جله ساذج ومضاد لمعاني الحداثة ولا يعترف بمبدأ التصالح والتسامح مع الآخر المختلف معنا، بل بدأ يتجاوز في كثير من الأحيان الدين واللغة والإرث”.

شكري المبخوت وهدى بركات وفاطمة سلطان المزروعي أثناء جلسة مناقشة ندوة "تماهي الأجناس الأدبية"

وتابع قوله “إن معظم سياسات وتوجهات الجماعات التفكيرية المتطرفة ليست من الدين في شيء، وتنمّ عن الفهم الخاطئ والمتعمد للنصوص الدينية، والاجتهاد في تقديم تفسيرات تخاطب روح الإسلام المنادية بمكارم الأخلاق واحترام الآخر، ونحن نرى اليوم كيف أوصلنا هذا الخطاب العدواني التحريضي إلى تبني ثقافة التفجيرات وسفك الدماء، التي لم تسلم منها حتى دور العبادة التي لها قدسيتها”.

وأشار الصايغ إلى أن ثقافة الحوار لم تعد موجودة، بل تكاد تكون وبالرغم من كثرة الأطروحات التي تبشر بالسلام والمحبة واحترام الآخر، مجرّد حلم بعيد المنال، وأكد على أن هذا الموضوع يحتاج إلى بحث وتمحيص بشكل أكثر حيوية ونشاط، بما يدعم ويعزز الكتابة التي تؤمن بالحياة والمنادية بالسلام العالمي، وتأسيس قواعد متينة للحداثة والابتكار وتعميقهما في المجتمع، وكشف الصايغ عن أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مٌغذيا رئيسيا لبث الفتنة والفُرقة والشتات مثل الطائفية وغيرها من المحن التي يعيشها العالم العربي.

من جانبها قالت موني محسن في مداخلتها “لا أعتبر نفسي كاتبة ساخرة، بل أرى نفسي كاتبة تنتهج أسلوبا من أساليب الكتابة تحاول من خلاله عكس الحقيقة كاملة، وكشف زيف ونفاق المجتمع مستخدمة في ذلك خفة الظل، فالرؤية التي أُومن بها تعترف بصعوبة الفصل ما بين الكتابة والواقع الذي نعيشه، كما أؤكد على أنني لست واعظة، بل إنني كاتبة لا تهرب من الواقع الذي من حولها وتعكسه بكل تجرد من خلال كتاباتها”. وقامت موني بسرد مقتطفات من روايتها “مذكرات فراشة” التي عكست من خلالها التحولات الكبيرة التي طالت المجتمع الباكستاني في السنوات الأخيرة.

تجربة الاعتقال

وقام جون مكارثي بسرد تجربته مع الاختطاف، وكيف أنها جعلته يدخل إلى عالم الكتابة الأدبية من بوابة الصحافة التي قادته للاعتقال عندما كان يغطي أحداث الحرب الأهلية في لبنان خلال ثمانينات القرن الماضي، وقال “إن تجربة الاعتقال أفادتني كثيرا في قراءة الواقع وما يدور في منطقة الشرق الأوسط، وأعطتني منظورا جديدا لما يشعر به الفلسطينيون وأصحاب الحقوق المشروعة في كل دول العالم من اضطهاد وظلم، وما يعانون منه في مخيمات اللجوء ودول المهجر، وقد قادني ذلك الشعور إلى تأليف كتاب يوثق هذه المرحلة المهمة من حياتي، واستطعت من خلاله أن أُحوّل هذه التجربة التي عايشتها وما تزخر به من قصص إلى عمل أدبي، والذي أعتبر أنني لم أسرد فيه تجربتي الشخصية فحسب بل عكست فيه المعاناة التي يتعرض لها ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم”.

عندما يكتب الراوي اليوم يعتريه إحساس قوي بأنه أصبح على تواصل فيزيائي مع الرسم والألوان والضوء

وكشف مكارثي عن أهمية توثيق وسرد القصص الفردية في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأننا نعيش في عصر الأزمات الذي بتنا عليه في كثير من الأحيان كالجمادات، فالفظاعات التي تحدث فيه أصبحت لا تحرك فينا ساكنا، بل صرنا نتلذذ بمشاهد التخريب والدمار، والقتل والتمثيل بالجثث، وأكد على أنه ومن خلال الكتابة يمكن أن نغيّر من هذه السلوكيات الخاطئة التي تتعارض تماما مع الفطرة الإنسانية السليمة.

ولفت جون مكارثي إلى أن الوضع في الشرق الأوسط بشكل خاص وفي كثير من دول العالم معقد جدا، فعدم الاستقرار الذي تعاني منه الكثير من الدول، وضعف الولاء والانتماء وعدم احترام الآخر جميعها تنذر بقتامة المسقبل ولكن بالكتابة والثقافة والوعي نستطيع أن نبني مستقبلا مشرقا ومزدهرا للأجيال القادمة.

وفي إجابته عن السؤال المتعلّق بقراءة الواقع العربي، قال حبيب الصايغ “بعد مرحلة ما يسمى بالربيع العربي وكنتاج طبيعي لهذه الكتابات العدوانية، انحصر الصراع داخل الحضارة الإسلامية فصرنا نرى كيف يتضرر النسيج الاجتماعي في عدد كبير من الدول العربية، وتفشي الطائفية والقبلية فيها، فعلينا الاعتراف بتحولات الواقع وضرورة بناء مسارات التجديد فيه، وإيصال صوتنا للمختلف معنا ثقافيا ودينيا، ومن هنا نثمن مبادرة منحة الترجمة التي أطلقها قبل سنوات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والتي تعزز حوار الحضارات وتبني ركائز متينة للحوار واحترام الآخر”.

14