الخطاب الوعظي الهش يضر بوجدانية التدين ويؤسس للسطحية

البعض من طروحات الدعاة تنتمي إلى بقايا مرحلة سابقة تعبر عن نفس هواجسها وتتعاطى بنفس آلياتها، ورغم كل التحولات الثقافية والاجتماعية التي طرأت على ذهن وتفكير المجتمع المحلي بقيت البعض من المنابر وفيّة لتقاليد مرحلة معينة.
الاثنين 2019/01/21
أزمة في استقطاب الأجيال الجديدة

تطرح مسألة تطوير الخطاب الوعظي والدعوي جدلا متجددا ونقاشا متواترا بسبب اعتماد البعض من الدعاة أساليب طرح سطحية لا تبني وعيا ولا تراعي فكرا، أو أساليب تقليدية لا تناسب متغيرات العصر رغم كل التحولات الثقافية والاجتماعية التي طرأت على المجتمعات المحلية. كما أن اعتماد الخطاب الديني لطرق شعبوية تبتعد به عن خصوصيته وتفرغه من رمزيته، يمكن أن يجعله بدوره مصدرا لتضليل المتابعين من خلال الترويج لأخطاء سلوكية.

تتداول مواقع التواصل الاجتماعي من حين لآخر مقاطع مجتزأة من محاضرات دينية وجلسات وعظية، يظهر فيها خطاب أحد الدعاة بطرح سطحي٬ يتجدد على إثرها الجدل والنقاش المزمن حول تطوير خطاب الوعظ والدعوة الذي يمس المجتمع بشكل مباشر.

البعض من طروحات الدعاة تنتمي إلى بقايا مرحلة سابقة تعبر عن نفس هواجسها وتتعاطى بنفس آلياتها، ورغم كل التحولات الثقافية والاجتماعية التي طرأت على ذهن وتفكير المجتمع المحلي بقيت البعض من المنابر وفيّة لتقاليد مرحلة معينة.

ويمتاز هذا النوع من الخطاب بتبسط كبير لا يبني وعيا ولا يراعي فكرا، حتى عند الحديث عن قيم وأدبيات دينية عريقة، وقد أظهرت البعض من تلك المقاطع المجتزأة والمتداولة أوصافا مبتذلة عن الجنة ونعيمها أو القبر وعذابه.

يلوم البعض هذه اللغة السطحية التي تصل درجة تجعل منه أقرب لحديث المجالس ولا يذكي القابلية الدينية٬ وربما انطوى على أخطاء تربوية فادحة بطريقة غير مقصودة غالبا، مثل تعزيز فكرة أن مدمن المخدرات ومروجها شخصية متمردة وفكاهية٬ وربما يعود هذا لضعف جاهزيتهم الشخصية والمهاراتية مما يجعلهم عرضة لهذه الأخطاء.

ويبرر البعض الآخر أن هذه اللغة تنسجم مع جمهور الشباب البسيط٬ وأنهم يحاولون جذبه بلغة سهلة ومناسبة٬ ويسعون لكسر الحواجز واستقطابه لطريق الخير.

وفي هذا السياق، ينتقد الباحثون انطلاق المنظومة الوعظية من صيغة فقهية ضيقة التي تعتمد على البعض من القناعات الشخصية التي تكون عاملا أساسا أو إضافيا في تعقيد حياة الأجيال الجديدة بسبب عدم اعترافها بمتغيرات العصر.

الباحث السعودي وحيد الغامدي يعتقد أن مشكلة المنظومة الوعظية لدينا أنها تجزم بحسم التصورات وفق صيغة فقهية ضيقة تنطلق في أغلب تقريراتها من الاجتهادات البشرية أكثر من انطلاقها من مقاصدية النص٬ وهذا بدوره يجعل الوعظ مساهما في تعقيد الحياة أكثر في تصورات الناس وخصوصا الأجيال الناشئة.

ويضيف أن الاستمرار بالدفع بتلك القناعات البشرية في مواجهة متغيرات الحياة وتعقيداتها اليومية سيضر مستقبلا بالمعنى الوجداني للتدين، خاصة أنه في كل مرة تستمر رحلة الممانعة مع تغييرات الحياة أو مع البعض من المسائل الإنسانية والحقوقية من ذلك الانفصام التام بينها وبين تلك المتغيرات وصولا إلى الانسجام التام معها.

 والأمثلة لا تحصى في ذلك، وبالتالي سينطبع في وجدان المتلقي أن منطق التدين تتم هزيمته في كل مرة، وبالمحصلة فمسألة أن الدين صالح لكل زمان ومكان سيكون فيها شك واضح وهذه هي النتيجة النهائية التي ترسمها منظومة الوعظ التقليدي الذي يتعاطى بسلبية واضحة مع كل متغيرات العصر أو مع قضاياه الحقوقية والإنسانية والحضارية.

ويتمنى الغامدي لو أدى الوعظ المحلي دورا إنسانيا وأخلاقيا وتنمويا مهمّا لو أحسن التصالح مع الذات ومع الآخر ومع الحياة ونظر إلى الحياة بإيجابية، ولكنه يأسف لما أدّاه من دور سلبي في تزييف الوعي وربط الدين بصورة سلبية لا يحبها أي مسلم يتمنى تقديم صورة مشرفة عن دينه يصلح أن يفاخر بها العالم الذي وصل في المفاهيم الإنسانية إلى نقاط متقدمة جدا.

الوعظ المحلي يمكن أن يلعب دورا إنسانيا وتنمويا مهما لو أحسن التصالح مع الذات ومع الآخر ونظر إلى الحياة بإيجابية

ويوجه الباحث نداء إلى المعنيين بشؤون الدعوة أن ينتبهوا لمنطق العصر ومستوى وعي الأجيال الجديدة، وهو ما يعني أن لهم مهمة كبيرة في محاولة تقديم خطاب وعظي وديني جاذب وغير منفّر أو ممتلئ بالسلبية أو الانفصام مع العصر.

إن هذه الدعوة للتصحيح والتجديد ضرورية جدا في زمن متغير الأدوات والإشكالات المتعددة، وفق الغامدي الذي يؤكد على المعنيين بمجال الدعوة “أن يتداركوا ما يمكن تداركه من تلك الإشكالات المعاصرة ويفتحوا آفاقهم للتنوع الفقهي والقبول بمنطقيات الواقع قبل أن يأتي يوم من الأيام لن يجدوا من الآذان الصاغية لهم سوى آذان كبار السن!”.

وفي مقابل الوعظ التقليدي، توجد أساليب أخرى من الخطاب الديني تحاول التماهي مع أسلوب العيش المعاصر للأجيال الحديثة من خلال اقتباس المصطلحات الشبابية، لكن الباحثين في مجال علم الاجتماع ورغم أنهم يشيدون بمواكبة الخطاب الدعوي لمتغيرات العصر ومحاولاتهم التقرب من الشباب باعتماد أساليبهم إلا أنهم ينتقدون التوظيف السلبي لذلك.

‏ د.عبدالسلام الوايل أستاذ علم اجتماع المعرفة بجامعة الملك سعود السعودية يقول إنه “يمكن ملاحظة ظاهرة جديدة في الدعوة هي تلك التي يمكن تسميتها بظاهرة الدعاة ‘المستدرباويين'”، والتي يقصد بها الداعية الذي يستخدم عبارات وألفاظا مستوحاة من القاموس “الدرباوي”.

وتشير الظاهرة إلى حيوية الجسد الدعوي، فهو أمام فئة اجتماعية محددة؛ شباب صغار في السن مقبلون على ملذات الدنيا ومفتونون بظاهرة ما يسمى بـ”الدرباوية”. ويريد الداعية تغيير ما يرى أنه خطيئة في هذه السلوكيات٬ ومن أجل ذلك يستخدم إما عبر اكتساب أو استخدام خبرات شخصية سابقة، سمات التعبير “الدرباوي” للوصول لهذه الفئة وغزو قلوبها.

وفيما يلحظ نجاح من هذه الناحية فإن معضلة تبرز من ناحية أخرى٬ فالتعبيرات الدرباوية غير أنيقة٬ بل وغير محتشمة٬ وفي استخدام الداعية لها ما يقوّض الصورة الذهنية عن الداعية كملاذ لتقويم السلوك المعوج.

وثمة تناقض مربك في بنية الخطاب الدعوي في هذه الحالة، يتبين هذا التناقض حين تؤخذ مقاطع لحديث دعوي يستخدم تعابير خادشة وتعرض على مختلف الفئات الاجتماعية في وسائل التواصل الاجتماعي لينهال الكثيرون بإنكار صدور مثل هذه التعابير من داعية.

وانكشاف الملمح “الدرباوي” من الخطاب الدعوي على عموم الناس، عبر انتشاره خارج قواعده الموجه لها في المخيمات والمحاضرات، يجعله محل إدانة أخلاقية من أناس عاديين تقويم سلوك الناس ليس من ممارساتهم عادة.

ويكشف “تدربن” الخطاب الدعوي عن أزمة يواجهها هذا الخطاب، فمن أجل النفاذ إلى فئة مُلصقة بها أوصاف الجنوح عن المسطرة الأخلاقية للمجتمع اضطر الخطاب الممثل للذرى الأخلاقية في المجتمع، أي الخطاب الدعوي، إلى أن يتقمص تعابير هذه الفئة٬ فخسر جزءا من رصيده المعنوي الذي كان يوفّر له التوقير والاحترام٬ ويرى الوايل أنه ربما تتحقق مكاسب من خلال هذا الأسلوب لكنه يتساءل عن ثمن ذلك.

من مشكلات الوعظ السطحي طرح نماذج مثالية من قصص السلف، مما يجعل الشاب يعيش حالة من الإحباط والشعور بالعجز تجاه تلك النماذج

ويقول الوايل “لا شك أن الخطاب الدعوي مطالب بالتخلي عن عاجية الواعظ والنزول إلى عوالم الناس وممارساتهم اليومية”، ويتساءل باعتبار أن هناك فئات اجتماعية مختلفة “لماذا كان إبداع وجدة الخطاب الدعوي مع فئة الدرباوية فقط؟”.

التفسير الذي يقدمه الباحث يرتكز على نقطتين: أن هذه الفئة بسيطة فكريا ويمكن تسجيل مكاسب بين صفوفها بسهولة، ثم أن البعض من الدعاة هم كانوا درباويين في الأصل ولا يملكون القدرة على إنتاج خطاب أكثر رصانة.

إن اللحظة التي ينقل فيها خطاب الداعية الدرباوي إلى تويتر ثم يبدأ الناس في التعليق مستهجنين هذه الجملة أو تلك تعبير في ذات الوقت عن أزمة يواجهها الخطاب الدعوي في عدم قدرته على “غزو” معاقل جديدة. ومن أجل إنجاز كهذا، يتطلب الأمر تغيرا جذريا في بنية الخطاب الدعوي ذاته٬ فلا يمكن تسجيل نجاح كبير بين البعض من فئات المجتمع بخطاب لا يعطي شرعية للحياة اليومية.

السلبيات التي يطرحها الانصهار الكبير في اعتماد الأسلوب الشبابي في الخطاب الدعوي تطرح مشكلة مشابهة تتمثل في الخطاب الوعظي الممعن في التبسيط لدرجة تقتل كل آفاق جديدة لفهم الدين وسياقاته وتجعله سجين حدود مرسومة بدقة بدورها يمكن أن تكون لها تداعيات سلبية.

عيسى المستنير أستاذ الإعلام بجامعة الملك خالد في السعودية تحدث عن نوع من تداخل في موضوع الخطاب الوعظي٬ مؤكدا أنه خطاب متنوع في طرحه فمنه العميق الذي يشرح الحياة٬ ومنه الخفيف الذي يخاطب عامة الشباب. ويقول إن المواعظ تكون في شكل خطاب مباشر أو غير مباشر، معتبرا أن أسوأها هو الوعظ المباشر لأن النفس لا تقبله.

وبالنسبة لعيسى المستنير ينقسم الناس إلى أربعة أنواع: نوع لا يحتاج إلى الوعظ وآخر يحتاج إلى التعلم وثالث بحاجة إلى التحفيز ورابع يحتاج إلى الوعظ.

وأوضح الباحث أن مخاطبة الوعاظ الشباب لمن في مثل سنهم تمنحهم أريحية أكبر في الطرح لتكون طريقة نافعة، لكن لا تخلو من السلبيات أو المخاطر حيث في البعض من الأحيان التساهل في الحديث عن المخدرات مثلا وإضفاء أجواء من المرح في سرد قصص أصحابها يعطيان أثرا عكسيا.

وكذلك من مشكلات الوعظ السطحي طرح نماذج مثالية من قصص السلف، مما يجعل الشاب يعيش حالة من الإحباط والشعور بالعجز تجاه تلك النماذج.

ويحصر الخطاب الوعظي العمل الصالح في العبادات ولذلك نجد أن من يريد عملا صالحا يبني مسجدا، لكن لو عرض عليه إنشاء ملعب في الحي يشغل أوقات الشباب ويحميهم من الفراغ الذي يقود لممارسة سلوكيات سلبية أو بناء معهد لتعليم التقنية أو تعبيد طريق في قرية أو ترميم مركز صحي قد لا يقبل بذلك ولا يعتبره من الأعمال الصالحة. وهنا يشدد عيسى المستنير على الحاجة إلى خطاب وعظي يفتح آفاقا جديدة لمفهوم العمل الصالح.

ويرى أستاذ الإعلام السعودي أن الوعاظ عموما يقدمون خدمة جليلة للمجتمع٬ ويخاطبون الشباب الذين تتنازعهم الأهواء والاتجاهات والتيارات باختلاف مشاربها، حيث يقول إن “الكثير من الشباب لم يجدوا من يصغي لهم أو يخاطبهم سوى هؤلاء الوعاظ علينا أن نشكرهم ونوضح لهم عيوبهم ليصححوها”.

13