الخطاب بين الخاصة والعامة

الثلاثاء 2015/02/24

خلال الندوة التي انعقدت منذ أيام في لندن، احتفاء بصدور العدد الأول من مجلة “الجديد”، أثيرت قضية انهزام المثقف العربي أمام حدثين بارزين، هما ثورات الربيع العربي، وظهور التنظيم الإرهابي الأخطبوطي داعش، ليس لكونه قصر عن استباق الهزات الاجتماعية والسياسية فحسب، وإنما أيضا لأن خطابه لم يحل دون انتشار الفكر الديني في أشدّ مظاهره رجعية وتخلفا وظلامية.

فقد بات اليوم جليا أن الناس أميل إلى خطب الأئمة والدعاة وكتب الفقه المتحجر من خطاب مفكرينا التقدميين والتنويريين، فهم يشربون تلك الخطب بغير نقاش، ويتمثلونها قولا وممارسة.

أولا، لأنها تلبي لديهم حاجة وتقدم أجوبة، حتى وإن كانت تلك الأجوبةُ مبنيةً على مغالطات.

ثانيا، لأنها تخاطبهم بما يفهمون، في لغة واضحة وضوحا لا يحتاجون فيه إلى تفكيك أو تأويل. أما مفكرونا، حتى أولئك الذين نذروا حياتهم لتنقية الفكر الإسلامي من شوائب تراكمت في متنه على مرّ القرون، فقد توسلوا بخطاب متعال، موغل في التنظير، بعيد عن الواقع، لا يفقهه غير النخبة، وشحنوه بمصطلحات لا يفهمها القارئ النابه إلا بالرجوع إلى أصلها الأجنبي، فما البال بمن يعوزه الزاد المعرفي، ومنظومتنا التعليمية في عمومها لا تنتج إلا قليل الزاد.

والسؤال الجارح الذي طُرح يومَها “هل يكتب المثقف للمثقف، أم يكتب للعامة؟” وهو سؤال كان طرحه المثقفون العرب منذ أواسط القرن الماضي “لمن نكتب؟”، وكان أفضل جواب ما قاله طه حسين “نكتب لمن يقرأ”. ولكن شرط أن يكون الكاتب ماسكا بزمام مادته، قادرا على صياغة خطابه، أدبيا كان أم فكريا أم سياسيا، بأسلوب لا يلوث المعاني بغير بيان، ومن كان فكره نيّرا يكتب بإشراق.

فنحن نقرأ أندري كونت سبونفيل فنفهم الفلسفة، ونقرأ مارسيل غوشيه فنفهم التاريخ، ونقرأ ريمون بودون فنفهم علم الاجتماع، ونقرأ هوبرت ريفز فنفهم الطبيعة والكون، لأن من كان ملمّا بمادته، عارفا بأسرار لغته، لا يجد صعوبة في التواصل مع قرائه، أيا ما يكن مستواهم، ولكننا لا نفهم شيئا مما ينشر في مجلاتنا الفكرية والنقدية، لأن أصحابها ينقلون في الغالب أفكارا ليست من وحي ثقافتهم ويترجمون مصطلحات ليست من وضعهم، والنتيجة حذلقة لغوية ونصوص أشبه بالحجاء.

يذكر مثلا أن مجلة “فصول” المصرية أفردت ملفا عن نجيب محفوظ، فأثنى الرجل على المشرفين عليها، واعترف أنه لم يفهم شيئا مما كتب عنه. وفي هذا يقول القدامى “عِلم الفتى في غير موضعه جهل”.


كاتب تونسي مقيم بباريس

15