الخطاب والتصرفات بين مصر والسعودية

الاثنين 2016/02/15

لا يستطيع المراقب أن يعثر على تصريح سلبي قاله مسؤول رسمي في كل من مصر والسعودية، لأن جميع التصريحات الصادرة عن الجانبين تصب في المربع الإيجابي، كما أن الخطاب السياسي، في عمومه، يشدد على الأهمية الكبيرة لتمتين العلاقات المشتركة، على المستوى الثنائي أو الإقليمي.

جاء الإعلان عن زيارة سوف يقوم بها الملك سلمان بن عبدالعزيز للقاهرة في أبريل المقبل، ليعزز الميول الإيجابية الظاهرة بين الرياض والقاهرة، فقد جرى الحديث عن زيارة متوقعة للملك السعودي أكثر من مرة، لكن هذه المرة الأولى التي تتم فيها الإشارة رسميا إلى موعد محدد.

هناك من فهم أن التحديد بمثابة تأكيد للتوافق بين البلدين حول عدد كبير من الملفات، وانعكاس طبيعي للدعم المتواصل من قبل السعودية لمصر، خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013، لكن هناك أيضا من فهم أن عدم تأخير الزيارة ضرورة ملحة لتحجيم الفتور في العلاقات، وسط التباعد الحاصل في بعض التصورات حيال قضايا إقليمية حرجة، تبدو مختفية في الخطاب الذي يتبناه كل طرف نحو الآخر.

إذا كانت اللغة الدبلوماسية التي يتحدث بها كل جانب تعكس حالة جيدة من التفاهم، فإن هناك تصرفات تؤكد أن هناك قدرا من التوجس لم يعد خافيا، ومع التسليم بأن كل دولة لديها هامش تتحرك فيه بحريتها، قد تكون نتائجه تسير في اتجاه مضاد لمصالح دول صديقة أو حليفة، إلا أنه في حالة السعودية ومصر بدأت الخلافات تزداد في الهامش المسموح به ضمنيا، ما ينذر باحتمال تباعد المسافات.

تباعد من المؤكد لن يصل إلى حد الصدام، فكل دولة تدرك الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الأخرى، لذلك يظل هذا التحليل جرس إنذار لتفادي توسيع هوة التباين، حتى لا تصل إلى منطقة يصعب مداواتها.

التطرق إلى مصير العلاقات المصرية السعودية لا يصلح معه استخدام اللغة التي تؤكد الثوابت وتدغدغ العواطف، لكن تصلح معه الصراحة وتحديد موطن الداء ومحاولة علاجه بعمليات جراحية عاجلة، للتقليل من انتشار المرض في أنحاء مختلفة من الجسد، حتى لا يلجأ الطبيب إلى البتر، بدلا من الكي.

اللافت للانتباه أن جميع القضايا الساخنة في المنطقة، والتي يشير الخطاب السياسي لكل من الرياض والقاهرة أنهما متفاهمتان حول معظمها، تؤكد التصورات والممارسات الحقيقية لها أن المسافة لا تزال بعيدة، والجهود التي بذلت من خلال دول صديقة، أخفقت في تقريب الرؤى السياسية في الكثير من الأزمات المشتعلة، بدءا من اليمن وحتى ليبيا، مرورا بكل من إيران وسوريا.

لكن يظل الحد الأدنى من التوافق موجودا، والطلاق مستحيلا، لأن المصالح التي تربط بين البلدين أكبر بكثير مما يفرق بينهما، لذلك لجأ الطرفان، صراحة أو ضمنيا، إلى حلول وسط.

عندما قادت السعودية عاصفة الحزم لعودة الشرعية في اليمن، لم تتخلف مصر عن دعمها، غير أنها لم تقدم الدور المأمول على الأرض، وقامت بدور جوي رمزي، وركزت مساهمتها الكبيرة عند باب المندب في البحر الأحمر، عبر إرسال عدد من السفن لمراقبة الحدود البحرية لليمن، ومنع مد المتمردين الحوثيين بالسلاح، وحتى القوات البرية أرسلت للسعودية ضمن مناورات مشتركة، وبقيت هناك للمساهمة في صد أي اعتداء متوقع على حدود المملكة.

هذه الصيغة لم تكن مرضية تماما للسعودية، وفهم كثيرون أن رفض مصر التورط بريا في اليمن دليل على عدم اقتناع بجدوى التدخل بريا، خاصة في ظل استدعاء ذكريات مريرة لتدخل قوات مصرية هناك في عقد الستينات من القرن الماضي، لكن بدا الخطاب الرسمي بين القاهرة والرياض متوافقا نسبيا.

في سوريا يبدو الوضع أشد وضوحا، حيث المسافة التي تفصل بين رؤية كل طرف كبيرة، ليس فقط كما يتردد بالنسبة إلى مستقبل بشار الأسد، لكن أيضا بالنسبة إلى الكثير من التفاصيل السياسية والأمنية، وجاءت خطوة الإعلان عن تشكيل قوات برية من السعودية والإمارات وتركيا لمساندة قوات المعارضة والمشاركة في إسقاط الأسد، وأملا في حلحلة العقدة الرئيسة في الأزمة، لتعزز الفجوة، ولم يعد خافيا أن القاهرة ترى استمرار بشار خلال الفترة الانتقالية ضامنا لعدم تفتت الدولة السورية.

في ظل التعقيدات المتباينة التي تواجهها الأزمة السورية إقليميا ودوليا، وإصرار السعودية على مواقفها المبدئية، قد يتصاعد الخلاف مع مصر، لاسيما أن حسابات الأخيرة تتضافر مع جزء معتبر من تقديرات روسيا، والأهم أنها تتلاقى مع جانب رئيسي من رؤية إيران، التي ترى الرياض أنها “الشيطان الحقيقي في المنطقة”، وهذا بعد غير معلن في الهواجس المتبادلة بين القاهرة والرياض، وأصبحت مردوداته تقلق السعودية وتفهمها أحيانا ما يوصف بأنه “تريث مصري” في بعض الأزمات، التي تتنافر فيها مصالح طهران مع الرياض.

في تقديري المشكلة تمس نقطة جوهرية في التوجهات التي تتبناها كل من السعودية ومصر، فالأولى وجدت نفسها محاطة بحزمة كبيرة من الأزمات التي أرخت عليها بظلال قاتمة، في ظل تطورات إقليمية تتسم بسيولة عالية، وأوضاع دولية مرتبكة.

من هنا فضلت الرياض الإمساك بزمام المبادرة لتجنب المزيد من التداعيات السلبية، واستثمار الفرصة لتدشين قيادتها الإقليمية في هذه المرحلة الدقيقة، لأن أحد العناوين الرئيسية للزعامة الحسم وحجم التضحيات.

بينما تميل مصر، بحكم ظروفها الداخلية السياسية والأمنية والاقتصادية وعمق التحديات الخارجية، إلى الإحجام، خوفا من التورط في أزمات يصعب الخروج منها بسهولة، أو تحمل تكلفة باهظة لا قبل لها بها في الوقت الراهن، فتلجأ إلى مسايرة ومساندة السعودية في الحدود التي تجعل لها قدما بجوارها وأخرى بعيدة عنها، تجنبا لأي مفاجآت غير سارة، وهو ما يكشف أيضا عن تململ بعض الدوائر المصرية من الزعامة المطلقة للرياض، فالقاهرة ترى أنها أحق بها، عندما تكون أوضاعها مستقرة.

ما لم يكن الخطاب الذي تتبناه مصر نحو السعودية، والعكس، منسجما مع التصورات والتصرفات، سوف يكون من الصعوبة الحديث عن تحالف استراتيجي بينهما، يرقى إلى مستوى ما وصلت إليه الرياض مع تركيا، والذي ينطوي على رسالة أخرى للقاهرة.

كاتب مصري

9