الخطاب والنكتة

الرئيس الإيراني حسن روحاني اختتم خطابه بجملة عصماء قال فيها، ومن دون أن ترتسم الابتسامة على وجهه، إن "الاعتماد على الأجنبي يعد من أكبر الأخطاء التاريخية".
الاثنين 2018/11/26
رئيس "صاحب نكتة"

ليس معروفا عن الرئيس الإيراني حسن روحاني أنه “صاحب نكتة”. ولكن خطابه أمام ما يسمى “مؤتمر الوحدة الإسلامية” الذي تستضيفه طهران، كان مليئا بما يشجع على هذا الاعتقاد.

إذ قال الرجل، وهو جاد تماما، “نحن مستعدون للقيام بكل ما هو ممكن لحماية مصالح الشعب السعودي ضد الإرهاب والقوى العظمى (…) كما فعلنا لدعم الشعوب في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن”.

وهذا وعد لن تجد سعوديا واحدا يقبله، لأن “دعم إيران”، في البلدان التي ضرب بها روحاني مثلا، أثمر عن جملة من الكوارث جعلها أقرب إلى بلدان منكوبة بزلزال وقع بدرجة 9 من 9 على مقياس ريختر.

ولقد حاولتُ أن أقنع نفسي بأن الرجل ربما كان يسخر من نفسه، إلا أنه كان جادا. فالإحصاءات التي لم يطّلع عليها روحاني تشير إلى أن العراق يعيش في أجواء خراب اقتصادي واهتراء سياسي وتمزق اجتماعي وفشل في كل ركن من أركانه، حتى أن الناس لا يجدون ماء يشربونه، ولا دواء يستطبّون به، ولا طعاما يكفل جياعهم، ولا خياما تكفل مشرديهم.

أما سوريا، فهذا بلد تهجر 12 مليون من أبنائه، وتحولت العشرات من مدنه والمئات من بلداته إلى حطام شامل. وبينما لا يزال الإرهاب يصول ويجول هنا وهناك، فإن سوسة الفساد والاستبداد لا تزال تنخر في ما بقي من عظام هاتين الخرابتين (البلدين سابقا).

أما أفغانستان، فهي كما ترى يا “سيادة الرئيس″، وكأنك لا ترى، أنها بلد في حالة حرب مع نفسه ومع جواره، ومع العالم بأسره، ولا تعرف على ماذا يعيش سكانه. كما لا تعرف إلى أين هم ذاهبون، أو ما هو المستقبل الذي ينتظرهم.

أما اليمن، فقد دعمت إيران فيه ميليشيات لتقوم بانقلاب وتستولي على السلطة وتدفع عشرات الملايين من أبنائه إلى ضفاف المجاعة والأوبئة. وبينما تزود طهران تلك الميليشيات بصواريخ لتقصف الشعب السعودي (الذي يريد روحاني أن يدعمه)، فإن طهران لم تكلف نفسها بإرسال طعام إلى الجياع ولا دواء إلى المرضى، بل أرسلت أسلحة وعصابات من الخارج لكي تقوّي شوكة الانقلابيين على شعبهم.

وهناك نوع من “النكات المضادة” التي لا تفهم مصدر الضحك فيها إلا عندما تقلبها.

أعد الشريط، واقلبه، وسترى أن الرجل “صاحب نكتة” حقيقي، ويقرأ الإحصاءات. فقد قال الرئيس روحاني في خطابه ذاك “نحن مستعدون للقيام بكل ما هو ممكن لحماية مصالح الشعب السعودي ضد الإرهاب والقوى العظمى (…) كما فعلنا لدعم الشعوب في سويسرا والسويد والنمسا والدنمارك”.

أم أنه لا يجرؤ على الطموح بأمثلة كهذه، ليكتفي بأمثلة الكوارث؟ ودع عنك بقية الخطاب.

فالشعب الإيراني، هو من يستحق دعما. ولكن خشيتي هي أن الدعم لو جاء من حكومة “الولي الفقيه” لصار حاله من حال أمثلة روحاني. وحيثما يقف الإيرانيون على شفير هاوية اقتصادية، فإنهم على وشك التداعي والإفلاس على أي حال.

ولكن روحاني اختتم خطابه بجملة عصماء قال فيها، ومن دون أن ترتسم الابتسامة على وجهه، إن “الاعتماد على الأجنبي يعد من أكبر الأخطاء التاريخية”.

ويا لها من حكمة تاريخية. ذلك أن ميليشياته في العراق لم تعتمد على الأميركيين لدى غزوهم العراق، وحرسه الثوري لم يعتمد على الروس في تدمير ما بقي من سوريا، والرئيس الذي كان يجلس في جواره (حميد قرضاي) لم يعتمد على الأطلسي كله، والإيرانيون في اليمن ليسوا أجانب.

لا أحد بعد الآن يستطيع أن يقول إن الرئيس روحاني ليس “صاحب نكتة”. وكنتُ أودُ لو أساله: أفهل كنت تسخر من “الدعم الإيراني”، أم أنك لم تعرف بعد ما حصل لشعوب العراق وسوريا وأفغانستان واليمن؟

9