الخطر كوسيلة للترفيه

فنانة الأداء الصربية مارينا أبراموفيتش تقرر صعق نفسها بمليون فولط كهربائي لخلق التشويق وإزعاج المتلقي.
الأحد 2018/05/06
الجسد في حضوره وانفصاله عن المكان

يحضر الخطر أحيانا ضمن السلوك البشري بوصفه نوعا من أنواع الترفيه، لا كوسيلة احتجاجيّة، بل كاختبار لحدود الجسد وقدرته على التحمل من أجل جذب الانتباه، وهذا ما ينتشر بكثرة على منصات النشر العلنيّة، إذ نرى هواة من مختلف الأعمار يتحدون الآخرين أو أنفسهم للقيام بأعمال خطرة، وتجارب قد تعرضهم للأذى، كأن يقوم أحدهم بصعق نفسه بالتيار الكهربائي، لمجرد الضحك أو اكتشاف رد فعله الجسديّ، إذ لا مهارة ولا تدريب لتحقيق هدف معين، بل مجرد لعب خطير أمام الجمهور.

أعلنت مؤخرا فنانة الأداء الصربية الشهيرة مارينا أبراموفيتش أنها ستقوم بصعق جسدها بمليون فولط كهربائي، وذلك في عرضها القادم الذي سيقام في الأكاديمية الملكية للفنون في المملكة المتحدة، والهدف هو إطفاء لهب شمعة باستخدام الشرارة التي ستنبعث من حافة أصابعها أثناء صعقها، والجدير بالذكر أن أبراموفيتش ستكون أول امرأة تقدم عرضا  في الصالة الرئيسية في أكاديمية الفنون، منذ من 250 عاما.

الجحيم الملون
الجحيم الملون

علاقة أبراموفيتش مع الخطر ليست بالجديدة، إذ تستضيف الصالة الفيدرالية للفن في مدينة بون غرب ألمانيا، معرضا استرجاعيا لأعمالها بعنوان “المنظفة”، وفيه مجموعة من مساحات العرض الذي يكرر فيها مؤدون محترفون أشكال الخطر الجسدي والتهديد الذي تعرضت له عبر مسيرتها الطويلة، منذ عرضها الأول عام 1973، الذي كانت فيه تلعب بالسكين بين أصابعها مسببة لنفسها جروحا طفيفة.

إثر تلك التجربة تحول جسدها إلى أداتها الفنيّة، لتتالى العروض التي تعرضه فيها للخطر، وتصدم الجمهور وتدفعه إلى اختبار حدود الأذى، سواء كمشاهد أو كمشارك يمكن له انتهاك جسدها وإصابته بالضرر، كما في عرضها "إيقاع 0" الذي أقامته عام 1974، والذي نراها فيه عارية وحولها 72 غرضا مختلفا، تاركة  للجمهور حرية استخدامها بالطريقة التي يراها مناسبة، من هذه الأغراض مسدس محشو موجود في المعرض الحالي، إلى جانب أغراض أخرى تعود لذات العرض.

صُمم فضاء العرض في المتحف بطريقة تجعل العلاقة بين المؤدين والجمهور شديدة الاستفزاز، إذ يُجبر الزائر على الاحتكاك بأجساد المؤدين العارية أثناء تنقله بين الممرات، لمشاهدة الفيديوهات والصور التي تستعيد أعمالها خلال الثمانينات والتسعينات، لكن منذ انتقال أبراموفيتش إلى نيويورك أخذت عروضها منحى أقل خطرا، وأكثر انفتاحا على السكون، واختبار مساحة العرض والتلقي، والابتعاد عن توريط الجمهور بالأذى، وتحدّي صبره واحتماله، كما في عام 2002 في عرض بعنوان “منزل ذو إطلالة على المحيط”، حيث يمكن للزوار مشاهدتها طوال 12 يوما، وهي تمارس حياتها الطبيعية، كذلك في  عرض قدمته عام 2010، حينها بقيت حبيسة ثلاث غرف مفتوحة على الجمهور، كي تنقل طاقتها، لهم حسب تعبيرها.

تحويل الجسد إلى أداة فنيّة

لا يمكن اعتبار أداء أبراموفيتش سياسيا وانتهاكيا بالمعنى الكلي، هي تميل نحو توظيف جسدها كأداة فنية على الخشبة، واختبار العلاقة مع الجمهور، وبمجرد أن تتبنى مكان العرض الرسمي، هي تقبل بشروطه، ولا تنفيه، ليتحول التهديد بالأذى إلى ما يشبه الاستعراض أو الأداء المسرحي المتفق ضمنا على قواعده، ليكون الهدف فقط، خلق التشويق وإزعاج المتلقي، إذ لا خلخلة حقيقية لمؤسسات الدولة وأجهزتها، كونها تحافظ على القيمة السياسية لجسدها، ولا تستهدف السلطات السياديّة، بل المواطنين الآخرين، وحدود شجاعتهم على انتهاك جسد الآخر، لتبقى فقط التساؤلات والاحتمالات القانونيّة المرتبطة بالجمهور، في حال تعرضت حقيقة لأذى جدّي.

تراهن أبراموفيتش على المؤسسة الفنية وقدرتها على احتواء جسدها، فالعروض التي رفضت المسارح المختلفة أن تستضيفها، لا تقوم المؤدية بتنفيذها لاحقا، ما يجعلها جزءا من المؤسسة الفنيّة، ولا يمكن وصفها بأنها احتجاجية، لأن جسدها خاضع لشروط المسرحة الفنيّة والفضاء الجمالي، لا لشروط الظهور السلطوية والفضاء العام الخاضع لأجهزة الرقابة والعقاب، التي ترسم أدوار المواطنين مسبقا، فالجسد المهدد على الخشبة، يمثل حقيقة تسائل حقائق السلطة الرمزيّة، في حين أن جسد المؤدي المهدد في الفضاء العام، يوظف أدوات السلطة ضمن العرض ويشوهها.

أشياء دالة على معان شتى
أشياء دالة على معان شتى

 

14