الخطط الأميركية في جنوب شرق آسيا رهن عقيدة ترامب

أثارت خطابات حملة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، التي انتقد فيها بعض السياسات الأميركية تجاه اليابان وكوريا الجنوبية، قلقا في واشنطن بشأن مخططات البنتاغون ومؤسسة السياسات الخارجية التي أعدّت بعناية على مدى عقود من الزمن إقامة روابط عسكرية أوثق مع اليابان وكوريا الجنوبية. لكن هذه المخططات أصبحت فجأة مهددة. ويشكك ترامب ضمنيا في جوهر الهيمنة العسكرية الأميركية في منطقة المحيط الهادئ والاعتماد على اليابان وكوريا الجنوبية لاحتواء الصين، القوة الصاعدة في آسيا.
الجمعة 2016/12/23
هل ستنفع سياسة إدارة الظهر

واشنطن – بالرغم من الاهتمام الموجه لحروب الولايات المتحدة الأميركية وصراعاتها في الشرق الأوسط، فإن القرارات الحاسمة حول دور القوة العسكرية الأميركية قد تتخذ في منطقة لا توجد فيها إلى الآن حروب ساخنة، ألا وهي آسيا.

ولئن بدت ملامح هذا التوجه نحو آسيا تترسخ في عهد باراك أوباما، فقد سبقت ذلك استعدادات سنوات طويلة، ومساع عديدة لإنشاء حلف عسكري ثلاثي أميركي- ياباني- كوري جنوبي- (كان في طور التخطيط منذ فترة طويلة). وستحدد سياسة دونالد ترامب لحظة فارقة لنجاح هذا التوجه أو فشله.

لم يتورع الرئيس الأميركي الجمهوري أثناء حملته الانتخابية عن إهانة أكثر حلفاء بلاده ولاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وهدّد بسحب القوات الأميركية من البلدين إن لم يتخذا خطوات إضافية للدفاع عن نفسيهما. وذهب ترامب أبعد من ذلك، حين اقترح قيام كل من اليابان وكوريا الجنوبية بتطوير أسلحتهما النووية الخاصة بهما للتصدي لتنامي قوة كوريا الشمالية كدولة نووية.

وأدلى ترامب بهذه التصريحات بالرغم من دعم الحكومات في اليابان للحروب الأميركية على مر العقود في كوريا وفيتنام والعراق ودفعها لقرابة 2 مليار دولار في السنة لمساندة سلسلة من القواعد الأميركية وخاصة في جزيرة أوكيناوا التي تستضيف أكثر من 48 ألف جندي أميركي.

لكن لاحقا تدارك ترامب موقفه. وفي لقاءات مع مسؤولين كبار من البلدين أكد عمق الروابط معهما. وقبل أسابيع قليلة من انطلاق عهد ترامب بشكل رسمي، يبدو أن الأمور، ظاهريا على الأقل، تسير بشكل جيد وطبيعي في ما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة بحلفائها في شرق آسيا.

الأرض تهتز في آسيا

بالرغم من اتجاه مواقف ترامب إلى اللين ظاهريا في الفترة ما بعد الانتخابات، لا يزال يسبب المخاوف. في طوكيو عبّر السياسيون اليابانيون من كل الاتجاهات عن شكوكهم في إمكانية صمود التحالف مع الولايات المتحدة أمام الصدمة التي أحدثها فوز ترامب.

وفي تصريح لصحافيين أجانب قال شيجيرو اشيبا، وهو وزير دفاع سابق وشخصية قوية في الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم إنه عندما يمسك ترامب بالسلطة “لا يمكن لليابان الاكتفاء بالجلوس وتنفيذ ما تمليه عليها الولايات المتحدة”.

وكان هذا المثال النادر للمعارضة العلنية اليابانية أحد الأسباب التي جعلت وزير الدفاع الأميركي الحالي، آشتون كارتر، يسافر إلى طوكيو في السابع من ديسمبر للتأكيد على أن التحالف الأميركي الياباني “لا يشبه أي تحالف غيره”.

وكانت ردة الفعل في كوريا الجنوبية مشابهة، حيث دعت الصحيفة المحافظة شوسون ايلبو، في افتتاحيتها في العاشر من نوفمبر، الكوريين إلى أن يفكروا بجدية في قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم.

وسبق هذه الدعوة بيوم تنظيم الجيش الكوري الجنوبي لقاء طارئا لتقييم التأثير الممكن لرئاسة ترامب، ثم تكوينه فرقة عمل للتأكد من أن اتفاقيات التحالف بين واشنطن وسيول سيتواصل العمل بها في السنوات القادمة.

في السنوات القليلة الماضية، استخدمت إدارة أوباما والبنتاغون تنامي القوة العسكرية الصينية والخلاف المستمر مع كوريا الشمالية مبررا لإدماج اليابان وكوريا الجنوبية بشكل كامل في رؤية تقوم على منطقة المحيط الهادئ (أو الباسيفيك) تحت هيمنة الولايات المتحدة.

لكن لم يكن تحقيق هذا التحالف أمرا يسيرا، حيث لا تزال العداوة الدفينة بين سيول وطوكيو تطل من وقت إلى آخر. فقد استعمرت اليابان كوريا من سنة 1910 إلى 1945.

ولاحقا أثناء الحرب الكورية التي دمرت شبه الجزيرة استفادت اليابان جيدا عبر تزويد القوات الأميركية بالمعدات العسكرية، إضافة إلى ذلك، فإن غضب كوريا من رفض اليابان الاعتذار لاستخدامها نساء كوريات كعبيد أثناء الحرب العالمية الثانية تبقى مسألة كبرى يجب تخطيها.

وبالرغم من كل الصعوبات يسعى المسؤولون الأميركيون جاهدين منذ فترة لإقامة تحالف ثلاثي من شأنه أن يحوّل الجيشين الياباني والكوري الجنوبي إلى قوات بالنيابة قادرة على المساعدة في توسيع القوة والنفوذ الأميركيين بشكل أعمق في آسيا (وربما في أماكن أخرى من العالم).

باراك أوباما: أميركا قوة باسيفيكية، ونحن موجودون في هذه المنطقة لنبقى

عشية انتخاب ترامب كانت تلك الترتيبات تؤتي ثمارها. وباقتراب سنة 2016 من نهايتها يبدو أن البنتاغون يسارع لجعل سياسة أوباما للتحول إلى آسيا وما يتبعها من ترتيبات عسكرية أمرا دائما قبل أن تتسبب سياسة ترامب في خسارة الولايات المتحدة لحلفائها الكوريين.

وتم مؤخرا تسجيل مجموعة من الترتيبات التي اتخذها المسؤولون الأميركيون لإقامة وتثبيت تحالف أميركي-ياباني-كوري جنوبي، من ذلك:

* في 23 نوفمبر أمضت اليابان وكوريا الجنوبية أول اتفاق استخبارات عسكرية بينهما سيمكن البلدين من مجابهة التهديدات الصاروخية والنووية من كوريا الشمالية. وقد عمل البنتاغون لسنوات طويلة للتوصل إلى هذه الاتفاقية.

* بناء نظام دفاع صاروخي بحري من طراز ‘إيجيس" موجه إلى الصين وكوريا الشمالية. ويربط هذا النظام واشنطن وطوكيو.

* تغيير تاريخي في قانون الأمن القومي الياباني يسمح للحكومة بإرسال قوات دفاعها إلى العمليات العسكرية في الخارج للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

* تصعيد الضغوط العسكرية والاقتصادية على كوريا الشمالية، بما في ذلك اختراق قاذفات قنابل بي- 2 الشبح، المسلحة نوويا، للأجواء الكورية الشمالية. وتكثيف العقوبات الاقتصادية الأحادية ضد كيم يونغ أون والكثير من مساعديه العسكريين الكبار.

* إجراء تمارين عسكرية مع كوريا الجنوبية تشمل ضرب المواقع النووية الكورية الشمالية وتصفية زعماء البلاد، أو بعبارة أخرى تغيير النظام.

لا شك أن مثل هذه الترتيبات والدفاعات العسكرية غير المسبوقة في المنطقة الآسوية ستفيد بشكل كبير الصناعة العسكرية الأميركية، فالدفاعات الصاروخية تمثل هبة كبرى بالنسبة إلى المتعاقدين العسكريين الأميركيين وخاصة بالنسبة إلى شركة لوكهيد مارتين. لكن هذه الإغراءات، لا تكفي لتقنع المعارضين لسياسة التحول إلى آسيا ودعم حضور البنتاغون في المنطقة.

ويزيد من تعقيد مهمة تحقيق التحالف الثلاثي المنشود، المعارضة الشعبية الشديدة المستمرة منذ سنوات لقاعدة المارينز الأميركية في فوتنما من جزيرة أوكيناوا اليابانية التي تأوي سبعين في المئة من القواعد الأميركية في البلاد، والاحتجاجات السياسية الضخمة في كوريا الجنوبية التي أسقطت مؤخرا الرئيسة بارك جون هاي، ويمكن أن تضع نهاية لحكوماتها المساندة للشركات الكبرى والولايات المتحدة.

شرطة العالم ولصوصه

عندما انتهت الحرب الباردة في سنة 1991 أصبح السبب المنطقي لوجود الجنود الأميركيين المتمركزين آنذاك في آسيا (وهو التهديد الشيوعي) غير مبرر. وشرع المسؤولون الأميركيون الذين عزموا على عدم مغادرة المنطقة لمجرد اختفاء سبب وجودهم في تسويق الفكرة بأن الحضور الدائم في آسيا لا مناص منه من أجل “الاستقرار”.

وبعد أكثر من عقدين بقيت تلك الكلمة الشاملة لكل شيء والغامضة تستعمل لتبرير الهيمنة الأميركية على منطقة الباسيفيك وسياسة التحول إلى آسيا. ومثلما يقول آشتون كارتر، وزير الدفاع الأميركي، في مقال حديث في مجلة شؤون خارجية، “بوصفنا شرطة العالم والباسيفيك نحتاج المساعدة.

منذ نهاية الحرب الباردة إلى اليوم دأب المسؤولون الأميركيون على ممارسة الضغط على اليابان للتقليل من صرامة دستور السلام (المفروض أثناء الاحتلال الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية) والسماح لقواتها بأن تشارك في عمليات خارجية جنبا إلى جنب مع الجيش الأميركي. وأوتيت تلك الحملة أكلها أخيرا في سنة 2015 عندما تمكن رئيس الحكومة شينزو آبي من تمرير القانون الأمني الجديد”.

وبعد تفعيل هذا القانون في سنة 2016، بدأت القوات العسكرية اليابانية أول تدريباتها العسكرية المشتركة.

وفي شهر سبتمبر أمضى الطرفان اتفاقا لوجيستيا جديدا يسمح للجيش الياباني بتزويد الجيش الأميركي بالوقود والذخيرة في أي مكان من العالم. وهذه الخطوات ستزيد في تعزيز التعاون العسكري بين أمريكا واليابان.

وبالفعل، في 21 من نوفمبر 2016، غادرت أول فرقة من “قوات الدفاع عن النفس"اليابانية (الجيش الياباني) البلاد تجاه جنوب السودان حيث تشارك في مهمة حفظ سلام أممية بالرغم من معارضة غالبية الشعب الياباني.

بينما تأوي اليابان 45 ألف جندي من سلاح الجو والبر والبحر، تكتسب كوريا الجنوبية أهمية حاسمة بالنسبة إلى واشنطن لأنها تأوي القوات البرية الأميركية الوحيدة على الأراضي الآسيوية الرئيسية.

ويبرر الأميركيون وجود هذه القوات بعدائية كوريا الشمالية وبرنامجها العسكري النووي، لكن ليس هذا فقط السبب فوجود القوات الأميركية في كوريا الجنوبية مهم لاستعراض القوة في أماكن أخرى من القارة.

هل من بدائل

كيف سيتعامل ترامب مع مخططات التوجه نحو آسيا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد تباعا بعد أن يستلم ترامب رسميا المنصب. وعندها ستظهر سياساته الفعلية، وهل أنه فعلا سيحول البعض من أقواله المثيرة للجدل إلى حقائق على أرض الواقع. من هذه التصريحات طرحه لفكرة التحدث مباشرة إلى كيم يونغ أون كحل للخروج من المأزق حول المسألة النووية مع كوريا الشمالية.

ويتبنى هذه الفكرة الكثير من المختصين في كوريا الشمالية والمسؤولين الأميركيين الذين تعاملوا مع البلد في الماضي. لكن منذ الفوز بالانتخابات صمت ترامب ومساعدوه ولم يدلوا بشيء حول الموضوع.

وبالاعتماد على ما قاله الرئيس المنتخب خلال لقاءات جمعته بزعماء ومسوؤلين في الحكومتين اليابانية والكورية الجنوبية، من المحتمل ألا تقوم إدارته بأي تحركات قريبا لزعزعة التحالف العسكري الثلاثي أو تقويض السياسات الأمنية الأميركية في المنطقة.

محلل سياسي أميركي

7