الخطيئة والتكفير

الأربعاء 2015/08/19

الإبداع مقرون بالشكوك حول العقيدة الفردية، والمواضعات الاجتماعية، هو مجبول على إعمال الفكر في اليقينيات ومساءلة القناعات الخاملة، كما أنه تشوّف لتجاوز مآزق العيش الضيق إلى رحابة الوجود، وعليه فمن الطبيعي أن يبدأ كاتب أو فنان مساره بعشق الحياة، ومراجعة قناعاته تجاه المجتمع والعقيدة وذاكرة الإبداع، فتلك المراجعة هي ما يصقل موهبته ويشحذ همتها، ويدخلها غمار التنافس والمغالبة، وأن يعود لقناعاته القديمة ما قبل فورة إنجازه وتألقه بسكينة وبحكمة خفيفة الظل فأمر مفهوم كذلك، فنكوص الوعي قاعدة منطقية تواكب عودة الجسد الإنساني إلى الانتكاس بعد إدراكه لذروة النمو والارتقاء، واستشرافه لعتبات الفناء.

ذلك ما يمكن ملاحظته في التحولات الطبيعية التي لحقت سلوك وإنتاج عدد كبير من الكتاب والفنانين ممن ينصرفون في خريف عمرهم إلى دائرة العقيدة، كشأن “طه حسين” حين كتب سلسلة دراساته في الإسلاميات التي استهلها بكتابه الشهير: “على هامش السيرة”، و كما فعل “محمد عابد الجابري” بعده بعقود حين ختم أبحاثه واجتهاداته في تحليل بنية الفكر العربي، بدراسته عن القرآن الكريم وتفسيره، وهي الظاهرة التي تكررت عند عدد كبير من المفكرين النهضويين والتنويريين العرب، ممن لم يستكينوا، في المحصلة، لحال من الدروشة الجوفاء، أو لردة سلفية عمياء.

بيد أن غير المفهوم بشكل محير، والمتصل طبعا بلحظة السقوط الحضاري العربي الشامل، هو التنكر للحظة الإبداع، والنظر إليها كخطيئة من الواجب التكفير عنها، في الخطاب والممارسة. وهو السلوك الذي دشنه المنظّر الرئيس لفكر الإسلام السياسي، سيد قطب، الذي قلب صفحة اشتغاله النقدي والأدبي بحسم، واعتبرها مرحلة ضلال، تاب عنها بوضع “معالم في الطريق” للفكر التكفيري، ممهدا السبيل لظاهرة الارتدادات غير العقلانية لعدد غير محدود من الكتاب والباحثين والمسرحيين والسينمائيين والموسيقيين، ممن اختاروا أن يقلبوا ظهر المجن لتراثهم الإبداعي.

بطبيعة الحال كانت ثمة دوما ظواهر زائفة لا يمكن أن تحتسب إنجازاتها في دائرة الإبداع الحق، ومن ثم فإن توبتها كانت رحمة للبلاد والعباد. كما ظهرت للوجود، في هذا السياق، وبشكل مبتذل، “التوبة” المدفوعة الأجر التي استثمر فيها المد السلفي والإخواني لنشر دعوته بين البسطاء، مقدما رموزا “للهداية”، الغارقة في شكليات الحجاب واللحية وحلقات الدعوة… لكن ثمة أيضا وبشكل أساسي ذلك الإخفاق الكبير للمشروع النهضوي العربي، وتغوّل الدول التسلطية المستثمرة في العقيدة، التي جعلت أحلام التغيير تصطدم بجدار المحيط الاجتماعي الغارق في أنويته القبلية والمذهبية، وحوّلت الفعل الحالم على الدوام إلى خطيئة تحتاج إلى تكفير.

كاتب من المغرب

15