الخطية واللاخطية في التخطيط السياسي

الخميس 2014/02/13

يتصرف “شعدون” بحرية مطلقة حين يظهر، ويتحرك حولي كيف يشاء، فاليوم التقط ورقة بيضاء من على طاولة المكتب، ثم جلس أمامي وخط عليها خطين متعامدين، وسألني: أتتذكرين هذا؟ أجبت باستخفاف: طبعا، إنهما محورا السينات والصادات في رسم المخطط البياني، لكن ما البيانات التي تريد توضيحها؟ ردّ: اختاري الموضوع! أجبت: المثال الفيزيائي النموذجي عادة المسافة والزمن، فما موضوعك أنت بالفيزياء السياسية؟ ابتسم قائلا: هذا جدول ببيانات ثورات الربيع العربي، لكن لا يمكن تمثيلها بيانيا، غير أن جدولة البيانات طريقة ضعيفة لفهم أنماط تمثيل القيم، لذلك اُبتكر المخطط البياني.

سألت: والقصد؟

ردّ: القصد أنه قبل نظرية الفوضى فإن أيّ معلومات لا يمكن تمثيلها على الرسم البياني لا تعدّ علما، لكن بعد النظرية ظهرت الأنماط اللاخطية لتكمل الأنماط الخطية، والعرب حكاما وشعوبا لا يعون أيّا منهما في التخطيط السياسي!

قاطعته: ربما لأنهم لم يتعرّفوا بعد إلى الفيزياء السياسية!

أومأ بربّما، وأكمل: الطبيعة معقدة بنشأتها، فحتى علماء الفيزياء لا يستطيعون أن يفسروا عدم الانسجام فيها، فما بالك بتفسير أفعال البشر، ولذلك فإن عامة شعوب دول الربيع العربي كانوا عاجزين عن فهم مقصد الثورات التي ارتكبوها، فلقد كانوا إما جهلة أو طامعين فسَهُلَ إغواؤهم، سواء بالدين أو بالسلطة.

فسرت: القوى الخارجية أغوت قيادات المعارضة بالسلطة، والأحزاب المتطرفة أغوت العامة بالدين، تحت مظلة الديمقراطية، فمعظم العامة كان يخلط بين علماء الأزهر والإخوان المسلمين، والفرق بينهما شاسع، لدرجة أن البعض تطاول على علماء الأزهر، وهذا إفك عظيم.

أكمل حديثه الفيزيائي: ولأن الطبيعة معقدة كان يجب أن توجد طريقة أخرى غير الخطية لتفسيرها.

فكتبت: وكذلك هي ثورات الربيع العربي، لو كانت خطية لأمكن رؤيتها على المخطط البياني بخط تصاعدي أو تنازلي أو حتى مستقيم، ولسهل فهمها، وبالتالي ربما أمكن حلها، لكن لأن العرب لا يعرفون قوانين الفيزياء السياسية، لا يمكنهم التفكير بحل غير العنف في معظم الأحيان.

فزاد عليّ: لأن الأمور اللاخطية إذا فككت لا يمكن إعادة تركيبها، كما في النظم الخطية، لذلك صَعُب احتواء الفوضى التي خلقتها ثورات الربيع العربي.

قلت: في نظرية الفوضى التقليدية بحث عن حل للمشكلة، وليس النظر للمشكلة ذاتها، والمفكرون العرب مازالوا حتى بعد 3 سنوات ينظرون إلى مشكلة ثورات الربيع العربي، ولا يبحثون عن حل لها خارج الإطار الذي يمليه عليهم الغرب، بينما طبق الغرب النظرية بحذافيرها، حين خلق عدة نقاط من عدم الاستقرار instability ليأتي بنظم جديدة، بصفات جديدة، أهمّها الضعف، مستندين إلى حقيقة أن نقاط عدم الاستقرار في الطبيعة تأتي بنوع جديد من الكائنات، فحيوان يقضي على آخر أو يأخذ مكان آخر، وهنا قُصِدَ أن تأخذ البعوضة مكان الأسد!

أكمل: لقد نظر الغرب من خلال “نظرية الفوضى” إلى مشكلة قديمة، وهي موازين القوى في العلاقات الإسرائيلية العربية، بنظرة جديدة، فاستغلوا الفقر والأمية ليغيروا بهما تلك الموازين، وفوق هذا أوجدوا مشاكل جديدة، أكبرها الطائفية وأقلها نكاح الجهاد، لذلك هو فقط يملك مفاتيح الحلول، لأنه من أنتج الشواش chaos العربي، واستغل الديناميكية غير الخطية nonlinear لسلوك المجتمعات العربية، ليختبر تقنيات نظرية الفوضى على البشر، فأوجد نظرة جديدة لسلوك النظم التقليدية المعروفة بالنظم العسكرية، حين ضاعف في أذهان الناس حجم دكتاتورياتها.

فتساءلت: لكن لم تستطع الثورات أن تبني نظاما ديمقراطيا في أي من دول الربيع العربي، ولا العراق قبلها؟

ردّ: لأن "الشواش" تنتج من فوضى ذاتية وليس فوضى ملفقة، ومن صنع المعلومات الذاتية، بينما ثورات الربيع العربي نتيجة لصناعة خارجية، وتداول معلومات جزؤها صحيح وجُلُّها ملفق، بالإضافة إلى أن "الشواش" متماثلة دائما، ويمكن تمثيلها بصورة معقدة، وقريبة من الواقع، بينما الربيع العربي لم يكن واقعا كما عرفه الناس، لكنه واقع كما صوّر لهم.

صرحت: إذن ما حدث كان ضوضاء وليس فوضى!

ثم سألته: الفيزيائيون أعدّوا مقاييس لنظرية الفوضى تضمنت: التقييد، وحساسية شروط البداية، وقابلية التحويل، وكثافة مساراتها الدورية، فهل من مقاييس قامت عليها ثورات الربيع العربي؟

أجاب: بالنسبة للغرب انطبقت مقاييس نظرية الفوضى على تحقيق ثورات الربيع العربي، أما بالنسبة للشعوب فلقد كانت لهم مطالب تضمنت: الأمان، ومستوى معيشي أفضل، ومستوى من العفة، تحت مظلة كبيرة أطلقوا عليها الديمقراطية، فأمطرت مظلتهم الفقر والفساد والخوف والموت.

ثم ختم نقاشنا: يقول العالم الفيزيائي “كون” :Kuhn إن التصاعد القوي للمعلومة يدفع بالعلم قدما. وأنا أقول إن التصاعد القوي للعلم هو معيار لأمد الدول، فكان عمر الدولة الأموية 100 عام، والعباسية 300، وبريطانيا حوالي 900، كل دولة قدر تفوقها العلمي، لذلك أميركا لا تزال في عنفوانها بعد 250 سنة، ولذلك أيضا ماتت كثير من حكومات الدول العربية في عز شبابها!

16