الخطّ العربيّ ليس حكراً على جدران الجوامع

لا بدّ من الإشارة إلى العلاقة الإشكاليّة بين اللغة العربيّة والوشم، فعادة من يضع وشماً بالعربية لا يأخذ على محمل الجد، بل يُرى بوصفه مُبتذلاً.
الأحد 2019/07/07
وشم من الثقافة الشعبية لحسام أبوحشيش

أقيم حالياً في أمستردام  بهولندا، بعد أن تركت سوريا وخضت رحلة طويلة لأصل إلى أوروبا، وهنا لدي أستوديو خاص بي للوشم، المهنة والفن الذي مارسته منذ أن كنت في سوريا ثم في لبنان، وتنقلت بعدها في معظم العواصم الأوروبيّة لأنجز تصاميمي التي أصبحت معروفة ومطلوبة من قبل الكثيرين، بل إن البعض يستخدمها كلوحات لا فقط تصاميم للوشم.

بدأ اهتمامي بفنّ الوشم منذ كنت صغيراً، كل ما أعرفه هو  أن أرسم وألوّن، لكن لم أعلم بدقة أين عليّ البدء وفي أيّ مجال، إلى أن قرر واحد من أصدقائي أن يضع وشماً، فرافقته إلى أستوديو وشم في دمشق، ولم يكن هناك غيره حينها، إذ أتى صاحبه من الخارج وافتتحه لمدة ستة أشهر ثم أغلقه، ما أذكره أنّي ما إن دخلت حتى رأيت شخصاً ضخماً، مليئاً بالوشوم، حوله جدران مليئة بصور الجماجم والدراجات الناريّة، وحينها علمت أنّي أريد أن أصبح مثله، وبدأت أسأل عن كيفية صناعة الوشم وتصميمه، وحينها كان الشكل العلنيّ والشعبيّ له مقتصراً إما على حواجب النساء، أو في السجون، ومع ذلك بدأت أتعلم وحيداً، بأدوات بسيطة، أجربها على جسمي وأجسام أصدقائي.

أذكر أن الأدوات والأحبار كانت نادرة بين عاميّ 2005 و 2006 حينما بدأت أجتهد أكثر في التعلم، لكن كان هناك بعض التجار العاملين في أدوات التجميل، وكانوا يحضرون معهم أدوات خاصة بالحواجب ومنهم كنت أشتري ما أحتاجه من أدوات لم تكن على المستوى المطلوب، لكن بعد عملي لعدة سنوات ودخولي الجامعة، بدأت أسأل أصدقائي خارج سوريا، وأطلب منهم أن يحضروا لي معهم أدوات من الخارج، والتي أسست لبداية عملي الاحترافي.

أعتبر أسلوبي مزيجاً من  مجموعة من العناصر والتقنيات المختلفة، إذ استمد من التقنيات الهندسيّة ومن الواقعي والتلوين كذلك الثقافة العربيّة و محتواها البصريّ والتزيينيّ، إذ أمزج بينها لأخدم الفكرة التي أريدها، ليكون كل وشم مميزاً ومختلفاً، وهذا ما ينعكس علينا كبشر، مختلفين، كل فرد يستحيل أن يشابه الآخر، فهو مزيج من لا يشبه شيئاً، ما يجعل كل وشم وتصميم مرتبطا بي من جهة وبرغبة الشخص الذي أريد أن أشمه وحكايته، فمن يأتي عندي كي يحصل على وشم يعطيني الفكرة أو الحكاية أو المفهوم الذي يريد أن يعبر عنه، لكي أصممه بالصورة التي أراها مناسبة، وأساس هذا الخيار هو ثقته بي، وإعطائيّ حريّة التعامل مع جلده.

الجلد في المنطقة العربيّة شديد الحساسية، سواء كان ظاهراً أم خفياً، موشوماً أو غير موشوم، وحسب ما شهدته وما عملت عليه، كان أغلب من يريدون وشماً يتبعون و يقلدون الغرب، سواء في الألوان أو في المضمون، وأقصد هنا ملاحقة الرائج، فهم لا يقتنعون إلا بالأشكال العامة والمعروفة والمتداولة، خصوصاً أن هناك مساحات من الجلد يتحفظ عليها فيما يتعلق بالوشم ومكان ظهوره كالوجه والرقبة واليدين، كونها غير مألوفة، وهنا أتحدث بعيداً عن سلطة الأهل والمجتمع، فالإناث مثلاً يفضلن الوشم المخبّأ الذي لا يظهر إلا في سياقات خاصة، كذلك فيما يتعلق بظهور الوشم في مكان العمل، وهذا ما أراه أقل في أوروبا، حتى فيما يتعلق بموضوعة الوشم أو الرسم الذي يمثله، والتي نراها في الكثير من الأحيان تميل نحو التقليد والنسخ في المنطقة العربيّة.

حسام أبو حشيش في أستديو الوشم
حسام أبو حشيش في أستديو الوشم

يحمل الوشم خصائص تزيينيّة، سواء كان يحمل معنى أو مجرداً، وأنا أميل عادة للزبائن ذوي الطلبات الصعبة، لكنّي أحاول دوماً أن أنجز تصميمات تحمل ملامح شرقيّة ترتبط بي وبما أعرفه وأشاهده، ولا أقصد هنا ما هو عام ومتداول، بل ما هو جديد و مميز، كأن أصنع تصميماً أساسه جملة “يا باطل” الشهيرة، الممتدة من الثقافة الشعبية وشخصيّة أبو عنتر ومفاهيم “الرجولة” المرتبطة بها، عبر إعادة تقديمها بصورة معاصرة بعيدة عن الابتذال، ولا بد هنا من التعليق على تاريخ هذه الجملة، فأبو عنتر (الشخصيّة التي يؤديها الفنان الراحل ناجي جبر) يعتبر من القلائل الذين ظهروا بصورة رسميّة على الشاشات وهو يضع وشماً بعيداً عن مفاهيم العيب، فوشمه هذا علامة على تاريخه وحكايته وأخلاقه، إذ كان محبوباً ونبيلاً نوعا ما،  طيب القلب ووفياً لأصدقائه.

لا بدّ من الإشارة إلى العلاقة الإشكاليّة بين اللغة العربيّة والوشم، فعادة من يضع وشماً بالعربية لا يأخذ على محمل الجد، بل يُرى بوصفه مُبتذلاً، وهنا أرى أن قدرتي على إعادة توظيف هذه العبارة وغيرها من الكلمات العربيّة ضمن تصاميم جديدة ومقبولة من قبل الناس تدل على قدرة الوشم على تجاوز التابو الاجتماعي، فالكثيرون وجدو التصميم جميلاً ولطيفاً بل وتلقيت عدداً من الطلبات لإنجازه لعدد من الزبائن، وهنا تأتي جهودي لمحاولة كسر احتكار الزخرفات الإسلاميّة للغة العربيّة والخط العربي، في محاولة لتحريرها من قدسيتها، فتقنيات الخطّ العربيّ ليست حكراً على جدران الجوامع، كل الكلمات مباحة للاستخدام نابية كانت أو مقدسة، وكل الكلمات تليق بها الزخرفة.

لم أعد أهتم بحقوق ملكيّتي الفكرية والفنية منذ فترة طويلّة، فسابقاً كنت كلما أنجزت تصميماً أكتب اسمي على الصورة كطبعة مائية أو أصوّره بصورة مائلة بحيث لا يتمكن من يريد سرقته من طباعته، لكن في إحدى المرات قام فنان كبير في لبنان بأخذ واحد من تصميماتي ووشمه لأحدهم، بعدها وصلني الكثير من التنبيهات والرسائل تخبرني بأن هناك من سرق تصميمي، في تلك اللحظة، بدأت أرفض فكرة الملكية، لأن أيّ أحد سيرى واحداً من التصميمات سيعلم أنني من قمت بها، أو سيخبره أحد ممن حوله بذلك، فاسمي وأسلوبي نفسه هو الذي يحميني، ومعرفة الناس بجهدي هي التي أظن أنها ستحميني، وخصوصاً  في عصر الإنترنت حيث من السهل معرفة المصدر  والأصل.

عادة، حينما أريد الترويج لعملي سواء بصورة شخصيّة أو أشارك في مؤتمرات أو مهرجانات للوشم أتبع أسلوبين، فإن كان تصميماً لم أشمه بعد فإني أنشره فقط، بانتظار أن ينال إعجاب أحدهم كي أقوم بوشمه، أو أنشر فوراً صورة الوشم على الجلد، أو أنشر التصميم الذي اتفقت عليه مع من يريد وشمه، لكن ما يجب إيضاحه هو أن التصميم أهم من الجلد، كون الأول يأخذ أحياناً عشر ساعات لإنهائه، في حين أن عمليّة الوشم يمكن أن تنتهي في ساعتين.

يشكل الوشم بالنسبة إليّ مسؤولية هائلة، ولا أقصد فقط مهارة صناعته وإتقانها، بل أيضاً كونه شديد الشخصيّة فيما يتعلق بالفرد الذي أشمه، فهو مرئي على جلده، وقد يبقى حاضراً مدى الحياة، وهذه الفكرة التي أحاول إيصالها لمن أشمهم، فالبعض يخطر له أن يضع اسم حبيبته أو يعبّر عن صدمة ما مرت معه، أو حتى أن يضع وشماً في سياق اللعب أو التسلية، وهنا تبداً مهمتي التي تقوم على شرح فكرة الوشم، وأنه سيبقى للأبد، هو تذكير دائم  لا يمكن التورط فيه أو عدم أخذه على محمل الجدّ.

مثلاً هناك من أتاني أثناء خضوعه لعدة عمليات لتغيير جنسه، وقد أراد أن يشم آلهة ذات حكاية مميزة، فهي مطعونة في قلبها، لا تستطيع أن تزيل السكين كونها ستموت، ما يعني أن عليها الإبقاء عليه وتحمّل الألم كي تبقى حية. رفضت إنجاز هذا الوشم، لأنه مؤلم عاطفياً، وسيذكره كل مرة يراه بالألم، ولو كان يعبّر عن مشارعه لحظتها، لكن الفرد يتغير في المستقبل، وبرأيي من حق الجميع أن يكونوا سعداء دون أن يكون هناك ما يذكرهم دوماً بحزنهم وبالألم الذي مروا به.

وسبب رفضي الجوهري هو أني لا أشم ما يريده الناس بل ما يحتاجون إليه، وبعد الحوار والحديث معه، غيرنا الوشم كله، واتفقنا على شكل جديد يختلف كليّا عما يريده هو، ولا بدّ أن أقول إن النيّة أو الهدف وراء الوشم أهم من الوشم ذاته، ولا بد على فنان الوشم أن يكون واعياً لهذه المسؤوليّة وأثر ما يتركه على جلد موضوعته، سواء كان هذا الأثر نفسياً أو فنياً.

يلعب الوشم دورا في الشفاء، فمثلا أنا قررت التخلص من أحكامي على الناس، وكي أتذكر كل مرة أنه لا حق لي في تجاهل أحدهم أو نفيه، وشمت على يدي عبارة “أنا أنت”، كي تبقى علامة على التشابه بيني وبين الآخرين، ولا يحق لي الحكم على أحد، فالوشم تذكير دائم، وهذا ما يجعله الوشم ذو أثر شخصيّ ومباشر على الفرد، إذ لا مسافة بين الوشم وبين الفكرة التي يحملها، هما متطابقان فلا يمكن للفرد أن يخلق مسافة مع جلده.

وشم "الشام أنتي حبي" لحسام أبوحشيش
وشم "الشام أنتي حبي" لحسام أبوحشيش

لا بد من الحديث عن الزبائن أنفسهم، وهناك عدة أنواع منهم، كالعذراوات، أي الذين لم يسبق لهم أن وضعوا وشما، وهؤلاء من يتجنبهم عادة العاملون في الوشم، كونهم يأتون بخوف ورعب ومحملين بمئات الأسئلة، ولا بد من أن يشعر الواحد منهم بالأمان كي أتمكن من العمل معه، وهناك من هم في صدمة أو لا يشعرون بالأمان، وهؤلاء يرون في الوشم وسيلة علاجية أو نوعاً من التطهير، وهناك من يأتي قلقاً ومتوتراً كون الوشم سيكون تعبيراً عن قصة مرّت به أو مأساة شهدها، وهنا يأتي دوري، والمسؤوليّة الهائلة المرتبطة بعملي، ولا أقصد فقط إتقان صناعة الوشم بل القدرة على امتصاص الصدمة والتعبير عنها بصورة مُرضية، فأيّ خطأ قد أرتكبه قد يزيد من فداحة الموضوع ويترك أثراً نفسياً قد لا يمحى.

وهنا أتحدث عن إيماني الشخصي، فلكل منا حكاياته، والتي نراها مرئية في الوشم، والذي نكون قبله عراة، دون أيّ تاريخ شخصيّ بصري، ليأتي الوشم تعبيراً عن حقيقة ما أو أحداث حقيقية شخصيّة، نراها على الجلد، كحالتي أنا، فالوشوم على جلدي تعكس ما مررت به في حياتي بصورة صادقة وجديّة، ولا مجال للكذب، كون الوشم لا يمحى، فشكلي هذا هو تلخيص لما مررت به في حياتي.

الحكاية التي يحويها الوشم، ظاهراً كان أم ممحياً، تعكس مشاعر وخبرة حياتية حقيقيّة، فمن يكتب اسم حبيبته ثم يشطبه يظهر لنا أنه أحب أحدهم حقاً، ثم الصدمة التي مر بها بعد خروج هذا الشخص من حياته، والتي تتجلى بتعديل الوشم الذي يشابه تاريخاً مرئياً يحمله الجلد، والأهم أن الوشم يحرر صاحبه من الأحكام المسبقة، لا يهم من شاهد الوشم أو من لم يشاهده، فهو مواجهة مع العالم بحقيقة الفرد وما مر به، هو وسيلة للصدق بعيداً عن النفاق والاختباء والمواربة، وهذا ما أظنه سببا من أسباب هامشية فن الوشم في المنطقة العربيّة، فهناك دوماً دعوات وسياسات تحث على الاختفاء والتلاشي، وهذا ما لاحظت عكسه في أوروبا، فلا يهم ما هو رأي الآخر، هذا أنا وهذه حقيقتي وأحكام الآخرين لن تغيّر شيئاً.

ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية

12