الخط التحريري معضلة حرية التعبير في مصر

منع نشر مقالات رأي في الصحف المصرية فتح باب النقاش حول قضية إعلامية تطال وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم، إذ يستنكر الكتاب قرار رئيس التحرير بعدم النشر ويعتبرونه تضييقا على حرية التعبير، بينما ترى الصحف أن من حقها أن تلتزم بخطها التحريري.
الخميس 2016/10/13
منع النشر إشكالية للكاتب والقارئ معا

القاهرة – أضحى منع شخصيات معيّنة من الظهور الإعلامي من خلال مقالات الرأي أو التصريحات التلفزيونية، إشكالية مثيرة للجدل في الإعلام المصري ركّزت عليها وسائل الإعلام المصرية مؤخرا بين مؤيد ومهاجم وفق مبررات مهنية وأخلاقية أحيانا، أو ارتباطها بالسياسة التحريرية للصحيفة أو المحطة الفضائية في أحيان أخرى.

وفتح الباب لمناقشة هذه القضية، ما شهدته صحيفة "الأهرام" شبه الرسمية مؤخرا، حيث منع مقال للكاتب والسياسي أسامة الغزالي حرب، هاجم فيه مشروع العاصمة الإدارية الجديدة التي يصر الرئيس المصري على إنشائها رغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وعلى إثر ذلك قرر الغزالي مغادرة "الأهرام" والكتابة في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة، التي تمتلكها مجموعة من رجال الأعمال للبحث عن مساحة أكبر لحرية الرأي، وفق ما قال الغزالي.

ويرى أكاديميون مصريون أن الحديث عن تضييق متعمد على حرية الرأي بذريعة الالتزام بالسياسة التحريرية "خلط في الأمور"، لأن البعض من الصحافيين لديهم "شطط" وأحيانا ينتهجون خطا في الكتابة أو الكلام لا يتوازى مع ما رسمته الصحيفة أو المحطة لنفسها، وفي أوقات أخرى تلتزم وسيلة الإعلام بالحفاظ على مصالح مموليها.

واعتبروا أن صحفا غربية كبرى انتهجت هذا المنحى ورفضت نشر مقالات البعض من الكتاب، فصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، والتي رغم شنها لحملات تضييق على حرية الرأي في مصر، وتحديدا منذ ثورة 30 يونيو 2013، لا تتخلى عن سياستها التحريرية تجاه القاهرة، إذ منعت نشر إعلان تأييد من عدد من رجال أعمال مصريين للرئيس عبدالفتاح السيسي، في أثناء زيارته للولايات المتحدة لحضور اجتماعات الأمم المتحدة منذ عامين.

كما رفضت صحيفة "نيويورك تايمز" نشر مقال للكاتب المصري محمد سلماوي عن الأوضاع في مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013، انحاز فيه إلى الرؤية الرسمية لهذه الثورة، وهو ما بدا مخالفا للسياسة التحريرية للجريدة، واعتذرت عن عدم نشره.

مكرم محمد أحمد: لا يمكن الربط بين منع النشر وحرية الرأي، لأن السياسة التحريرية حق لرئيس التحرير

وقال مكرم محمد أحمد، نقيب الصحافيين المصريين الأسبق، إنه لا يمكن الربط بين منع النشر وحرية الرأي، لأن السياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية، سواء مقروءة أو مرئية، حق أصيل لرئيس التحرير أو ملاك الصحيفة أنفسهم، فمثلا “ليس منطقيا أن توافق الوسيلة الإعلامية على نشر مقال محرّض أو يتحدث خلاله الكاتب عن وقائع بلا دليل”.

وأضاف أحمد في تصريحات لـ”العرب”، أن البعض من الصحف والفضائيات تضع لنفسها ما تسميه "ميثاق الرأي" وعادة ما تطلب من الكتاب أو الضيوف مراعاة هذه السياسات الثابتة، وهذا حق أصيل لها، لكن ربط ذلك بحرية الرأي والتعبير هو نوع “من الازدواجية واللاعقلانية”، لأنه حق أصيل لها، ما دام ارتضى أن يكتب من خلال منبرها.

وأصبح الربط بين السياسة التحريرية لأي وسيلة إعلامية وحرية الرأي والتعبير، يشكل أزمة تواجهها الكثير من الصحف والمحطات الفضائية، لا سيما أن الكثير من كتاب الرأي يستنكرون تعرضهم لمضايقات جراء تجاوزهم لما يوصف بـ"الخطوط الحمراء"، أو تعارض آرائهم مع السياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية.

وأشار مكرم إلى أن فكرة المنع تحكمها أبعاد مهنية وسياسية، فلا يكون هناك شطط أو إسراف أو تجاوز من الكاتب، في المقابل يكون المنع تضييقا على حرية الرأي، إذا كان خط الكتابة متوازيا مع السياسة التحريرية، وبالتالي يتحول المنع إلى استهداف واستغلال للسلطة، وفي المجمل لا يتم المنع إلا إذا تجاوز صاحب الرأي خط السياسة التحريرية أو عدم مواءمته للسياسة العامة للدولة”.

ويقاس ذلك على الكثير من المواقف التي تحكمت فيها السياسية التحريرية لصحيفة مصرية، مستقلة أو حزبية، في منع مقال للرأي أو التعديل فيه حتى يتواءم مع سياستها والخطوط التي رسمتها لنفسها، وآخرها موقف صحيفة “الشروق” التي أجرت تعديلات في مقال للكاتب الإسلامي فهمي هويدي الذي كان يهاجم إقحام الجيش في الاقتصاد والمشروعات القومية، وقال عماد الدين حسين، رئيس التحرير، “كنت مضطرا لذلك لمواءمة المقال مع السياسة التحريرية”.

وتذهب الكثير من الدراسات التي أجريت في هذا الشأن، إلى أن فكرة المنع في أي وسيلة إعلامية مرتبطة بالسياسة التحريرية التي تخضع لمؤثرات، منها شخصية رئيس التحرير، والطابع المميز للصحيفة، واحتياجات القراء، وجهة تمويل الصحيفة (حكومي أم خاص)، والحسابات السياسية، والضغوط الاجتماعية، والقوانين الصحافية، والولاء الوطني، ودورية الصحيفة، وكلها تشكل صورة وماهية السياسة التحريرية.

ويرى البعض من المتابعين أن السياسة التحريرية لا تتمثل صياغتها بالضرورة في وثيقة مكتوبة أو معلنة، فغالبا ما يكتسب المحرر هذه السياسة من خلال ممارسة عمله واحتكاكه برؤسائه وزملائه في المؤسسة، وهي تخضع لقدرٍ من المرونة تختلف درجتها من صحيفة إلى أخرى، ومن موقف إلى آخر، ومن فترة إلى أخرى داخل الصحيفة نفسها. كما أن السياسة التحريرية متغيرة وفق تغيرات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو لأسباب داخلية في المؤسسة الإعلامية.

ورأت منى مصطفى، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن فكرة المنع أو التضييق في الصحافة أو التلفزيون مرهونة بعدة اعتبارات، منها سياسية ومهنية واجتماعية، تضاف إلى ذلك فكرة “البزنس محاولة جديدة لتعويض خسائر الإعلانات والاشتراكات، من منطلق أن أكثرية وسائل الإعلام أصبحت مملوكة لرجال أعمال لهم مصالح مختلفة، ويتحكم فيها أيضا مدى إحساس القائمين على إدارة الوسيلة الإعلامية بالمسؤولية المجتمعية، ويحق للصحيفة الحفاظ على “كونها محافظة مثل “الأهرام المصرية”.

وأضافت مصطفى لـ“العرب” أن مفهوم القائمين على إدارة الإعلام للسياسة التحريرية، أصبح لا يتواءم مع ديمقراطية الاتصال، وليس من المطلوب أن تسير الوسيلة الإعلامية على نسق واحد، المؤيد أو المعارض، لأن ذلك يعارض مهنية الإعلام، لكن التغيرات التي طرأت على المجتمعات وسيطرة لغة المصالح والعلاقات دفعتا كل وسيلة إعلامية لأن تضع لنفسها إطارا واحدا يصعب اختراقه.

18