الخط الجميل هو خط جميل

"الخط الجميل يزيد الحق وضوحا" جملة أرى تحتها طفلتي كل صباح، أرمي لها بإصبع شوكولا وأتبادل معها التحيات، لا أكثر ولا أقل.
الثلاثاء 2019/12/31
الكتابة لا تحتاج إلى أقلام وريش وأوراق

“الخط الجميل يزيد الحق وضوحا”، عبارة مكتوبة بخط رديء، أقرأها عند كل لحظة أفتح فيها الشباك لتحية ابنتي في ساحة المدرسة الملاصقة لمبنى الصحيفة، ذلك أن هذه الجملة، واحدة من مجموعة مقولات بلهاء تتزين بها حيطان هذه المؤسسة التربوية العريقة. أضف إلى ذلك أنها تعج بأخطاء إملائية شنيعة على شاكلة “من طلب العلاء سهر الليالي”.

هل يحتاج الحق، حقا، إلى خط جميل كي يتضح ويعود إلى أصحابه.. وما حيلة المظلومين من أصحاب الخط الرديء؟ وهل أنّ كل السهارى يطلبون العلى ويمضون قدما في طموحاتهم حتى مطلع الفجر؟ إذا كان الأمر كذلك فرواد الملاهي والمشردون كذلك من طلّاب العلى.. شخصيا “أطلب العلى” كلما استطعت إليه سبيلا، إلى درجة أني أجد نفسي نظيف الجيب ونادما ندامة الكسعي، في صبيحة اليوم التالي.

لم تعد الكتابة ـ ولا الحق ـ تحتاج إلى أقلام وريش وأوراق، وكذلك لا تشترط النجاحات، ليالي طويلة من السهر والسهاد بل صارت الحياة نفسها، لا تُلزمك بالأمثلة والنماذج ووسائل الإيضاح.. لقد صار الاختصار سيد المواقف في التأكيد والبطلان على حد سواء.

حسنا، لا مانع لدي من أن تتعلم ابنتي جودة الخط من تلك المقولة المكتوبة على جدار مدرستها (طبعا ليس من الطريقة الرديئة في تخطيطها). ولا بأس من أن تسهر لقراءة كتاب أو مشاهدة فيلم.. ولكن ليس “لطلب العلى”.. عن أي على يتحدثون؟ “خلينا نفهم ونستوضح من الأول يا جماعة الخير”.

يا حسرتاه على عصر كليلة ودمنة ومصنفات الحكم والأمثال التي كنا نتبارى في حفظها. ذهبت إلى غير رجعة، تلك الأيام التي كنا نعلق فيها لوحات وزخارف مصنوعة بصبر وأنّاة وقد كُتب عليها عبارات من صنف “الصبر مفتاح الفرج” ثم أدركنا متأخرين أن الصبر قد يكون أيضا، عنوانا للهزيمة ومفتاحا للخنوع والاستسلام.

الأمر يشبه ذلك الرجل المتحذلق الذي أرسل في طلب أبنائه وهو على فراش المرض قبل أن تدركه المنية. طلب منهم أن يأتيه كل واحد بعود من الشجر وأراد أن يعطيهم درسا في جدوى الوحدة وقوة التعاضد فجمع الأعواد في حزمة وطلب من كبيرهم محاولة كسرها. فعلها الولد الكبير ذو العضلات المفتولة وكسر حزمة الأعواد في حركة واحدة من يديه، عندئذ قال بقية الأبناء “ما الحكمة من ذلك يا أبتاه؟” رد الأب: وهل ترك لي أخوكم هذا الجلف الغليظ حكمة؟ هيا اغربوا عن وجهي ولعن الله اليوم الذي سمعت فيه ذلك الخطاب القائل بأن قوة شعوبنا في اتحادها.

“الخط الجميل يزيد الحق وضوحا” جملة أرى تحتها طفلتي كل صباح، أرمي لها بإصبع شوكولاتة وأتبادل معها التحيات، لا أكثر ولا أقل.

24