الخلاص عن طريق الجمال

الاثنين 2016/10/10

لكل فنان وصيته، من غير تلك الوصية لن يكون هناك معنى، تلك الوصية هي أشبه بضوء النجم الذي يصل بعد انطفاء النجم، يريحك الإنصات إلى الزقزقة من غير أن يشغلك البحث عن العصفور.

كان بيكاسو سعيدا بشهرته، غير أنه غاب وظلت أعماله تسعد كل نهار بالعيون التي تتسع أمامها من فرط الدهشة، لقد ترك الأسباني وصيته على المائدة، متاحة للجميع.

“يمكنكم أن تكونوا سعداء مثلي”، كانت شهرته مناسبة للتعبير عن غبطته بالثناء على السعادة، سعادته التي صارت مع الوقت سعادتنا. مَن يرى رسوم ابن مالقا ومنحوتاته لن يخرج إلى الحياة إلاّ مسرورا، فبعد وجبة دسمة من الجمال لا بد أن يعد المرء نفسه لمشي كيلومترات من الخيال، إنها وصية بيكاسو من أجل الرشاقة.

يهبنا الفن مساحات تتسع من خلالها الأرض تحت أقدامنا، أهناك وظيفة أعظم؟ الوصفة السرية التي يتعرّف المرء من خلالها على قرينه، ذلك الشخص المشاغب الذي يقيم في داخله ممتلئا بالرغبة في أن يرى ما خفي من الحياة، شهواتها وجنونها ونزقها العابث وسحر أوقاتها الغامضة.

كل هذا وأكثر يضعه الفن قيد التداول، ما إن يسعى المرء إليه، بل إن الفن يضمن نوعا من التربية الأخلاقية، بالرغم من أنه لا يكف عن إعلان براءته من لعب دور المرشد، من منطلق أخوّته.

التآخي مع الفن هو أمر مقدس بالنسبة إلى مَن يدرك عمق المسؤولية التي ينطوي عليها الارتباط بالجمال والشغف بعناصره التي لا تُحصى، فالجمال يعدنا بما لم نتوقعه من سبل الخلاص.

في الإنصات إلى هذر امرأة جميلة قد يجد رجل عاشق ما يغنيه عن الجلوس إلى فلاسفة، سبق لهم أن وهبوا حياته معنى من خلال أفكارهم.

أنا على يقين من أن أولئك الفلاسفة سيغفرون لمريدهم ما فعله، ذلك لأنهم سيفعلون الشيء نفسه لو قُدر لهم أن يجلسوا أمام تلك المرأة، الخلاص عن طريق الجمال نعمة.

كاتب من العراق

16