الخلافات الفنية عقبة أمام التفاهمات السياسية بين مصر وإثيوبيا

القاهرة تعوّل على العلاقات الجيدة ببعض القوى الإقليمية والدولية للقيام بإجراءات تمثل ضغطا على أديس أبابا.
الأحد 2019/09/22
عقبات ليس من السهل ردمها

طوت إثيوبيا جانبا مهما من الصفحات القاتمة في علاقاتها الإقليمية منذ تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة، وعزمت على تسوية خلافاتها مع محيطها الجغرافي بالأدوات السياسية. حققت اختراقا إيجابيا في أزمتها العميقة مع إريتريا، وتفاوتت التطورات في ملفات أخرى مع كل من الصومال وجيبوتي وكينيا والسودان وجنوب السودان ومصر.

تتخذ الخلافات مع هذه الدول أشكالا مختلفة، جميعها يمكن حلها بالتفاهم وتعظيم المصالح المشتركة، باستثناء الخلاف حول مشروع سد النهضة الذي سلك اتجاها قوميا لدى قطاع عريض من القيادات الحزبية والمواطنين، وخلّف وراءه مسافات فنية، أخفقت التحركات السياسية في تقريبها، لأنها تصل إلى درجة التناقض "معادلة صفرية"، فمصلحة كل طرف لا تلتقي مع الآخر تماما، ما جعل الحوارات والمفاوضات لتسوية أزمة السد عصية على الحل.

تخلى الخطاب المصري في هذه الأزمة عن الكثير من دبلوماسيته المعهودة، وصدرت تصريحات من مسؤولين كبار، في مقدمتهم وزير الخارجية المصري سامح شكري، حملت غضبا كان مكتوما حيال إثيوبيا، وهو قابل للانفجار في أي لحظة، واجهته إثيوبيا بمزيد من الحذر الذي وصل في البداية إلى حد التجاهل، ثم انتقل إلى مربع الرد المباشر.

نشرت صحيفة “أديس ستاندرد”، القريبة من دوائر حكومية، الخميس الماضي، تقريرا أفاد بحصولها على وثيقة سرية من الخارجية كشف كواليس وأسباب فشل الاجتماع الثلاثي في القاهرة الأسبوع الماضي، بحضور وزراء الري في كل من مصر والسودان وإثيوبيا.

من راهنوا على قدرة التفاهمات السياسية بين القاهرة وأديس أبابا في إزالة الفجوات الفنية، وقعوا في خطأ التضخيم المعنوي في مثل هذه القضايا الحيوية، لأن الليونة الظاهرة في خطاب آبي أحمد لا تعني المساس بثوابت أو رموز تحمل معاني قومية، من بينها سد النهضة

أكد التقرير أن القاهرة طالبت بملء خزان السد على فترات تترواح بين ست وسبع سنوات مع ضمان تدفق الحد الأدنى من مياه النيل، وهي 40 مليار متر مكعب سنويا، والمحافظة على مستوى المياه أمام السد العالي وخزان أسوان في جنوب مصر بارتفاع 165 مترا فوق مستوى سطح البحر.

قدمت هذه المقترحات والمواصفات من قبل مع غيرها، ووعدت أديس أبابا بدراستها فنيا، بما فهم منه عدم استبعاد الموافقة عليها أو إدخال تعديلات عليها، وأسندت الدراسات لبيوت خبرة مختلفة لقياس مدى الأضرار التي تقع على مصر، وغالبيتها أكدت ذلك، ثم دخلت في مسارات متباينة، نحت جانبا التعويل على الدراسات الفنية والأخذ بتوصياتها.

كشفت الوثيقة الإثيوبية المسربة عمق الأزمة الفنية بين البلدين، حيث وصف مصدر محلي ما قدمته القاهرة بأنه “غير عملي”، وترفضه بلاده تماما، على اعتبار أن المقترح يفرغ سد النهضة من مضمونه الاستراتيجي، بل يجعله بلا قيمة اقتصادية، لأن فترة ملء الخزان تمتد إلى أجل غير مسمى.

كما أن التحكم في التدفق بما لا يؤذي القاهرة يحول سد النهضة إلى خزان احتياطي لتعويض النقص في المياه أمام السد العالي بمصر، ويفقد إثيوبيا عائداته المرجوة، وأهمها الإنتاج الكبير للكهرباء، وتخسر هدفها في ما تصفه بالاستخدام العادل والمعقول لموارد مياه النيل الأزرق.

لم يحظ التقرير الإثيوبي باهتمام داخل مصر، ولم تعلق عليه أي من الجهات المعنية حتى ظهر السبت، لكنه حمل مكونات غضب من جانب أديس أبابا من طروحات قدمتها القاهرة، وترى فيها “أنانية مفرطة” ولا تراعي مصالحها، ما يعني قطع الطريق على إمكانية الالتفاف حول صيغة رشيدة في المفاوضات المقبلة، من المنتظر أن تستأنف  نهاية الشهر الجاري.

دخلت المحادثات الثنائية والثلاثية (بانضمام السودان) جولات عددية خلال السنوات الماضية، جميعها لم تغير من المواقف الرئيسية للبلدين، على الرغم من تغير القيادة السياسية في كل منهما، ووضع حزمة من الأهداف النظرية التي تصب في صالح عدم الإضرار بالآخر.

استثمرت إثيوبيا في عامل الوقت وقطعت شوطا طويلا في بناء السد، وعندما تعثرت لأسباب فنية وحدوث خلل في الشركات المنفذة نجحت في تصويب المسارات، بصورة قد تؤدي إلى تغير في توقيتات التنفيذ، غير أنها لا تغير من خطط البناء وأهداف السد التنموية، وامتصت التظاهرات التي اندلعت في مناطق قريبة منه، وصممت على المضي في استكمال البناء وفقا للتصورات الأولى.

من راهنوا على قدرة التفاهمات السياسية بين القاهرة وأديس أبابا في إزالة الفجوات الفنية، وقعوا في خطأ التضخيم المعنوي في مثل هذه القضايا الحيوية، لأن الليونة الظاهرة في خطاب آبي أحمد لا تعني المساس بثوابت أو رموز تحمل معاني قومية، من بينها سد النهضة، لذلك لم تتغير المفاهيم الرئيسية بشأنه، حتى لو بدا الخطاب الإثيوبي الجديد أكثر مرونة وجاذبية.

تبدو الخيارات المتاحة أمام القاهرة محدودة حاليا، لأنه من المستحيل اللجوء إلى سيناريو عسكري، كما روج البعض، فالمنطقة لا تحتمل صراعا من هذا النوع، ومصر في عهد الرئيس عبدالتفاح السيسي لا تملك رفاهية خوض حرب تبعد عن حدودها الآلاف من الأميال، ولا حتى تستطيع المجازفة للتلويح بها، كما حدث أيام الرئيس الراحل أنور السادات، وسيناريو التحكيم الدولي وفقا لقوانين تنظيم الأنهار يجد صعوبة في ظل رفض إثيوبيا القاطع القبول به.

"معادلة صفرية"
"معادلة صفرية"

لم تتلق القاهرة ما يساند رؤيتها من جانب الحكومة الجديدة في السودان، أو تشعر بتغير ما في حسابات الخرطوم، بعد رحيل الرئيس عمر حسن البشير الذي انحاز إلى صف أديس أبابا، وجاءت الردود مباشرة في اعتماد إدارة السياسة الخارجية على عنوان عريض يضع مصالح الشعب السوداني في المقدمة، بما يؤكد تغليب مبدأ الحياد الخلاق الذي تتبناه الخرطوم حالا.

تعوّل القاهرة على علاقاتها الجيدة ببعض القوى الإقليمية والدولية للقيام بإجراءات تمثل ضغطا على أديس أبابا، لتتفهم الدواعي المصرية الفنية وتستجيب لها، لكن هذه الوسيلة لم تثبت فعالية كبيرة في الفترة الماضية، حيث اختبرت ولم تلق آذانا صاغية واضحة، لأن إثيوبيا أصبحت رقما مهما في معادلة ترتيبات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، ولها روابط تعاون ومصالح مع دوائر كثيرة من داخلها وخارجها.

قد يكون انخراط الطرفين في مشروعات تنموية مشتركة ومع آخرين، مدخلا لتقليل الخسائر المتوقع أن تتكبدها مصر بسبب تأثيرات سد النهضة، وربما تخفض القاهرة من سقف مطالبها الفنية بما يحظى بموافقة نسبية من إثيوبيا التي شددت على عدم استعدادها للدخول في مرحلة عداء مع مصر.

في الحالتين هناك مخاوف من قيام بعض الجهات بتخريب العلاقة بين البلدين، والرهان على منح القاهرة أولوية لهمومها المحلية بما يخفف انخراطها في أزمات خارجية، بينها سد النهضة، وقتها قد ينحرف التعاون والتوافق في بعض الملفات الإقليمية عن مبتغاه السياسي.

حاول الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في خطاب ألقاه أمام منتدى الشباب يوم 14 سبتمبر، التنصل من المسؤولية المباشرة عن بناء السد، وتحمّل الفشل في إدارته، ووضعها على عاتق من قاموا بتفجير ثورة 25 يناير 2011، التي أدت إلى ارتدادات سلبية على الأوضاع في مصر، كبلت حركتها في الدفاع عن الكثير من القضايا التي تمس الأمن القومي.

أوحت هذه الإشارة أيضا إلى صعوبة التحديات التي تواجه حل الأزمة، وعبرت عن تقدير سلبي لها، من زاوية إمكانية التجاوب مع المقترحات الفنية أو جزء منها، وتهيئة المواطنين للحل الأسوأ، وهو تحول سد النهضة إلى أمر واقع خلال السنوات المقبلة، والتعايش معه، وإيجاد حلول فنية من خارج الصندوق، بالتوسع في تحلية مياه البحر، وزيادة ترشيد الفاقد من المياه، وتنحية الخلافات لتبقى العلاقات المشتركة مسنودة على حائط التفاهمات بدلا من عرقلتها بموجب تباعد الرؤى الفنية.

Thumbnail
4