الخلافات النفطية بين بغداد وأربيل تعود إلى واجهة المشهد السياسي

كتل سياسية في البرلمان العراقي تطالب أربيل بتسليم كامل ملف إدارة النفط للحكومة الاتحادية مقابل ضمان حصة الإقليم في الموازنة.
الخميس 2021/02/25
إدارة الثروة النفطية.. أزمة قديمة تطل برأسها

بغداد - قفزت أزمة إدارة الثروة النفطية وتوزيع إيراداتها بين بغداد وأربيل، إلى واجهة المشهد السياسي في العراق مجددا، جراء الخلافات حول حصة إقليم كردستان في الموازنة المالية 2021.

وتوصلت بغداد وأربيل في ديسمبر إلى اتفاق بشأن الموازنة المالية، ينص على تسليم الإقليم كمية 250 ألف برميل نفط يوميا، ونصف إيرادات المعابر الحدودية وغيرها إلى الحكومة الاتحادية، مقابل حصة في الموازنة تبلغ 12.6 في المئة.

وجرى تضمين الاتفاق في مشروع الموازنة، إلا أن كتلا سياسية في البرلمان ترفض الاتفاق، وتطالب الإقليم بتسليم كامل ملف إدارة النفط للحكومة الاتحادية مقابل ضمان حصة الإقليم في الموازنة.

واعتبر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني أن حكومته ترفض هذا الطلب وتعتبره "غير دستوري".

ولا يزال مشروع الموازنة عالقا في البرلمان، وتدار البلاد بموجب موازنة 2019، على اعتبار أن العراق لم يقر موازنة مالية العام الماضي أيضا جراء الخلافات السياسية.

عبد السلام برواري: تسليم ملف النفط إلى بغداد يعني منع الإقليم من إدارة الحقول النفطية وهذا مخالف للدستور العراقي
عبدالسلام برواري: تسليم ملف النفط إلى بغداد يعني منع الإقليم من إدارة الحقول النفطية وهذا مخالف للدستور العراقي

وقال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، والنائب السابق في البرلمان العراقي عبدالسلام برواري إن "تسليم ملف النفط إلى بغداد، يعني منع الإقليم من إدارة الحقول النفطية من تنقيب واستخراج وبيع.. هذا مخالف للدستور العراقي".

وأضاف برواري أن المادة 15 من الدستور العراقي تنص على أن "كل ما لم ينص عليه الدستور من صلاحيات حصرية للحكومة الاتحادية، يقع ضمن صلاحيات الأقاليم".

وأشار إلى أن أربيل وافقت منذ البداية على تسليم عائدات بيع النفط، وليس ملف إدارة الثروة النفطية، ملفتا إلى أن "بغداد تدرك هذه الحقيقة، لذلك أبرمت اتفاقا مع أربيل وجرى تضمينه في مشروع الموازنة".

وتابع "هناك أطراف شيعية وسنية في البرلمان تضع شروطا إضافية وتطالب بتسليم ملف النفط، لأنها تنطلق من منطلق الدولة المركزية ولا تعترف بما ورد في الدستور".

ويعد استخراج النفط وتصديره من أبرز نقاط الخلاف بين بغداد وأربيل، إذ تريد الحكومة الاتحادية التحكم بمفردها، وفقا للدستور، ببيع البترول في الأسواق العالمية بينما ترى حكومة الإقليم الكردي أن القوانين تجيز لها القيام بهذه العملية.

ويعود الخلاف حول هذا الملف إلى 2007، عندما بدأ الإقليم أولى خطوات تطوير حقول النفط في محافظاته الثلاث (أربيل، دهوك، السليمانية) وسط معارضة الحكومة الاتحادية.

وأبرمت حكومة الإقليم العشرات من الاتفاقات مع شركات نفط أجنبية، بينها شركات عملاقة مثل إكسون موبيل، وشيفرون، وتوتال، وغاز بروم لتطوير حقول النفط والتنقيب عن أخرى.

ونجح الإقليم في ضخ 100 ألف برميل يوميا من الخام إلى الأسواق العالمية لأول مرة في مطلع يوليو 2009 عبر خط الأنابيب المملوك للحكومة الاتحادية والممتد عبر تركيا، وصولا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.

وفي 2014 مدّ الإقليم خط أنابيب خاصا به إلى الأراضي التركية وصولا إلى ميناء جيهان، وضخ ما بين 400 و450 ألف برميل يوميا إلى الأسواق العالمية بصورة منفردة.

وجاءت زيادة الضخ في أعقاب تفاقم الخلافات مع بغداد بشأن مدفوعات حصة الإقليم من الموازنة المالية السنوية، وقامت بغداد بقطع حصة الإقليم بشكل كامل، مع الإبقاء على صرف جزء من رواتب موظفي القطاع العام.

وأدى انخفاض أسعار النفط العالمية ونفقات الحرب ضد تنظيم داعش  بين عامي 2014 و2017، إلى بروز أزمة مالية حادة في إقليم كردستان.

وبلغت الأزمة المالية ذروتها عام 2020 عندما عمدت الحكومة الاتحادية إلى قطع رواتب موظفي الإقليم بشكل كامل في أبريل الماضي، وعجزت أربيل عن صرف رواتب موظفي القطاع العام ثلاثة أشهر على الأقل.

وزاد حجم ديون الإقليم إلى نحو 28 مليار دولار (وفق أرقام حكومة أربيل)، وهي في الغالب رواتب متأخرة ومستحقات شركات النفط التي تتولى تطوير الحقول في الإقليم.

مختار الموسوي: الدستور يعطي الحكومة الاتحادية حق السيطرة الكاملة على ملف إدارة الثروة النفطية
مختار الموسوي: الدستور يعطي الحكومة الاتحادية حق السيطرة الكاملة على ملف إدارة الثروة النفطية

وقال النائب في البرلمان عن تحالف "الفتح" مختار الموسوي إن "الدستور يعطي الحكومة الاتحادية حق السيطرة الكاملة على ملف إدارة الثروة النفطية في البلاد، حتى وإن كان النظام اتحاديا فيدراليا".

وأضاف الموسوي أن على أربيل تسليم كامل النفط المستخرج من حقوله إلى بغداد، كي تضمن حصولها على الامتيازات المالية في مشروع قانون موازنة 2021، مشيرا إلى أن الإقليم مصر على تسليم بغداد 250 ألف برميل فقط من النفط.

وتابع "المباحثات مستمرة لحسم هذا الملف، خصوصا وأن هذا الموضوع مرتبط بصورة رئيسة بالموازنة المالية للبلاد ويعيق تمريرها في البرلمان".

وأورد الدستور مادتين بخصوص الثروة النفطية، إذ تنص المادة 111 على أن "النفط والغاز ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات".

وتنص المادة 112 على: "أولا، تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني".

وثانيا، تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي.

وطرحت عدة مسودات لمشروع قانون النفط والغاز في البلاد منذ 2007، إلا أن الخلافات العميقة بشأن بنودها بين بغداد وأربيل حالت دون تشريعها في البرلمان.

ورأى المحلل السياسي العراقي عدنان السراج أن إدارة الثروة النفطية يجب أن تخضع للسلطات الاتحادية في بغداد، إلى حين سن تشريع قانون النفط والغاز الذي سيكفل توزيع الصلاحيات.

وقال السراج، وهو رئيس المركز العراقي للتنمية الإعلامية ومقره بغداد، إن إدارة الثروة النفطية في البلاد ستدار بشكل أفضل فيما لو تولت شركة واحدة وهي "سومو" الحكومية (شركة تصدير النفط العراقية) عمليات تصدير الخام إلى خارج البلاد.

ووفق السراج، فإن على الجانبين تقديم تنازلات للوصول إلى حل نهائي للأزمة، مبينا أن استخدام هذه الورقة سياسيا سينعكس سلبا على البلاد وخاصة سكان الإقليم.

وتقول حكومة الإقليم إن إنتاجها الحالي يبلغ 450 ألف برميل يوميا، تذهب كمية 25 ألف برميل يوميا للاستهلاك المحلي.

ويبيع الإقليم نفطه بأسعار تفضيلية في الأسواق العالمية، نظرا لعدم رغبة الكثير من الشركات والبلدان في شرائه خشية تعرضها لملاحقات قضائية من بغداد.