الخلافات تحول استفتاء استقلال كردستان العراق من فرصة إلى ورطة

فيما كان رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني ينتظر أن يتوّج بطلا قوميا وأبا روحيا للدولة الكردية المنشودة، بعد إعلانه عن تحديد موعد لإجراء استفتاء شعبي على استقلال كردستان العراق، انهالت عليه الانتقادات من قبل خصومه وشركائه السياسيين على حدّ سواء، وتحوّل الإعلان إلى مناسبة لإثارة ملفات الفساد والتعثر السياسي والاقتصادي والاجتماعي للإقليم تحت قيادة الحزب الديمقراطي.
الثلاثاء 2017/06/13
الدولة الكردية ما تزال حبيسة الأمنيات الرومانسية

أربيل (العراق) - فوجئ المراقبون بحجم الاعتراض الداخلي على إجراء استفتاء على استقلال كردستان العراق، الأمر الذي يهدّد بتحويل هذه المحطّة السياسية الكبيرة من فرصة للاقتراب خطوة من تحقيق حلم الأكراد بالدولة، إلى ورطة لرئيس الإقليم مسعود البارزاني متزّعم الدعوة للاستفتاء والمتهم من قبل خصومه ومنافسيه داخل الإقليم بالمناورة باستخدام ورقة الاستقلال لتثبيت سلطته وتكريس زعامته.

وتتوسّع رقعة الرفض لمشروع الاستفتاء على مصير إقليم كردستان العراق، الذي يتبناه الحزب الديمقراطي بزعامة البارزاني، فيما يلحظ مراقبون مستوى من الجرأة لم يكن مألوفا لدى أحزاب كردية تقليدية على توجيه انتقادات صريحة لمشروع يرتبط بحلم الدولة الكردية.

وتعرض الإجماع الحزبي في كردستان بشأن الاستفتاء إلى ضربة كبيرة، مع دعوة البارزاني إلى اجتماع لتحديد موعده، الأسبوع الماضي، عندما قاطعته حركة علمانية تتمتع بشعبية كبيرة في الإقليم، وأخرى إسلامية، تعد من مراكز النفوذ السياسي التقليدية في الأوساط الكردية.

وفور إعلان حزب البارزاني عن دعوة الأحزاب الكردية إلى الاجتماع لتحديد موعد الاستفتاء على تقرير مصير كردستان العراق، أعلنت حركة التغيير والجماعة الإسلامية مقاطعتهما له. ويملك هذان الحزبان 30 مقعدا في برلمان الإقليم المكون من 111 مقعدا، في حين يملكان 10 مقاعد في البرلمان الاتحادي المكون من 325 نائبا.

وبوصفها القوة البرلمانية الثانية في البرلمان الكردي، بعد كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، حصلت حركة التغيير على منصب رئيس برلمان الإقليم، لكن الخلافات مع البارزاني عطلت البرلمان وأدت إلى منع رئيسه من الوصول إلى مقر انعقاد جلساته في أربيل، العاصمة السياسية للإقليم.

ولم تثن مقاطعة التغيير والجماعة الإسلامية، البارزاني عن عقد اجتماع مع الأحزاب الكردية لبحث موعد الاستفتاء. واتفق المجتمعون على الخامس والعشرين من سبتمبر المقبل موعدا له، ولكنهم اتفقوا أيضا على إجراء الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية في السادس من نوفمبر المقبل.

واتفق المجتمعون على ضرورة العمل على تفعيل البرلمان وحل الخلافات السياسية. لكن حركة التغيير رأت أن الاستفتاء الذي يخطط البارزاني لإجرائه هو “مشروع حزبي وغير قانوني”.

وبعد يومين من تحديد موعد الاستفتاء، عقد “المجلس الوطني” وهو أعلى هيئة سياسية في حركة التغيير، اجتماعا، حذر البيان الصادر عنه من “استغلال مشروع الاستفتاء في إقليم كردستان لمصلحة حزب أو عائلة أو شخص معين”.

ويقول البيان إن الاستفتاء يجب ألا يكون “ذريعة للتنصّل من الفساد الحاصل في واردات النفط والعقود النفطية المريبة”، وألا “يستغل للتنصل من اللاشفافية في واردات النفط ما أدى إلى تراكم الديون على الإقليم وتردي الحالة المعيشية للمواطنين”.

وتعتقد حركة التغيير، أن الاستفتاء يجب أن يكون “المرحلة الأخيرة من خطة شاملة قبل إعلان دولة كردستان المستقلة، ولكن مشروع الحزب الديمقراطي الكردستاني والأحزاب التي تسايره، مشروع حزبي وغير قانوني، ويجب عدم استغلال الاستفتاء كذريعة لتأجيل الانتخابات العامة في الإقليم”.

ويقول النائب عن الحركة في البرلمان الاتحادي مسعود حيدر، إن الاستفتاء على مستقبل كردستان لا يمكن أن يجرى بمعزل عن نتائج دراسة الوضع الداخلي للإقليم، والوضع العراقي وحتى الظروف الدولية.

ولم يكن بالإمكان قبل أعوام قليلة، التعبير عن موقف مناهض لحلم الدولة الكردية من قبل فصيل سياسي في إقليم كردستان بهذا الوضوح. ولكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي يعيشها السكان وسّعت هامش النقد.

آلاء الطالباني: البارزاني يمارس سياسة التمويه والاستغفال للشعب الكردي

ومع هذا، فإن الانتقادات الأشد لحزب البارزاني بشأن الاستفتاء جاءت من شريكه الأكبر في الإقليم، وهو حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني.

وتقول النائبة آلاء الطالباني، رئيسة كتلة الاتحاد الوطني في البرلمان الاتحادي، إن البارزاني “يمارس سياسة التمويه والاستغفال للشعب الكردي في مسألة الاستفتاء بالإقليم”.

وانتقدت الطالباني اتصال البارزاني برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعيد الإعلان عن موعد الاستفتاء بكردستان، “ليؤكد له على وحدة العراق”.

وبعد صدور بيان تحديد موعد الاستفتاء أعلن مكتب العبادي أنه “لا يمكن لأي طرف تحديد مصير العراق لوحده”، وهي إشارة رفض ضمنية إلى مشروع الاستقلال الكردي، وفقا لمراقبين.

وتشمل دائرة المواقف السلبية من الاستفتاء كلا من ائتلاف متحدون بزعامة أسامة النجيفي والجبهة التركمانية بزعامة حسن توران اللذين يتشاركان في رفضهما ربط مصير مدينة كركوك التي يسكنها خليط متنوع من الأعراق والغنية بالنفط بمصير إقليم كردستان.

أما الأحزاب السنية الأخرى التي يصطلح على تسمية أعضائها بـ”سنة المالكي”، بسبب علاقتهم الوثيقة بزعيم ائتلاف دولة القانون رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فأعلنت رفضا صريحا لاستفتاء الاستقلال، معتبرة إياه مقدمة لتقسيم العراق.

ويعتقد مراقبون في إقليم كردستان أن استثناء المناطق المتنازع عليها من الاستفتاء سيجعل الأمور أكثر قبولا بالنسبة إلى بغداد.

وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي أعرب عن تعاطفه مع التطلعات الكردية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن التوقيت ليس مناسبا للتصويت على الاستقلال.

ويرى مراقبون أن معارضة حكومة بغداد للاستفتاء ربما لن تكون قوية خلال المرحلة المقبلة، على اعتبار أن العبادي يراهن في حملة دعم شعبيته على الانتصارات المتحققة في الحرب على داعش أكثر من ملف الشراكة مع الأطراف السياسية الأخرى.

ويحاول أحد أعضاء القيادة في حزب البارزاني، وهو النائب السابق في البرلمان العراقي سامي شبك، تفسير الأسباب التي دعت إلى التعجيل بتحديد موعد الاستفتاء على مستقبل الإقليم الكردي، بأن الأكراد بحاجة إلى تأمين وضع مناطق انتشارهم، بسبب تهديد ما يسمّى بـ”مشروع الهلال الشيعي”.

ويقول شبك إن “موعد الاستفتاء لم يكن عبثيا، فالمنطقة مقبلة على تطورات كبيرة”. ويضيف أن “الصراع الأميركي الإيراني في المنطقة يدور بشأن مشروع الهلال الشيعي، وللأسف فإن هذا الهلال يعزل أراضي كردستان عن العراق”.

3