الخلافات على القانون الانتخابي: صراع الكراسي يكلف لبنان الكثير

تنشط اللقاءات بين الفرقاء السياسيين في محاولة للتوصل إلى قانون انتخابي جديد قبل انتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي في 19 يونيو المقبل. لكن وفيما تقول مؤشرات بإمكانية حصول توافق على قانون انتخابات نسبي على أساس تقسيم لبنان إلى 15 دائرة، تذهب مؤشرات أخرى إلى الجهة المعاكسة متوقعة أن يتم التمديد للمجلس لمدة عام على الأقل مباشرة أو على مرحلتين دون التوصل إلى إقرار قانون انتخابي. وبينما أكّد الرئيس اللبناني العماد ميشال عون أن الانتخابات النيابية ستحصل على أساس قانون النسبية، بالاتفاق مع المكوّنات السياسية كافة في لبنان، بدا رئيس مجلس النواب نبيه بري متشائما وهو يقول “لا تباشير خير لقانون جديد للانتخابات”.
الأربعاء 2017/05/31
أزمة ثقة

بيروت – ارتفعت وتيرة الاشتباك بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب في لبنان بشكل غير مسبوق بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس المجلس النيابي نبيه بري مؤخرا.

وعرض بري في المؤتمر وجهة نظر دستورية تنظر إلى استعمال رئيس الجمهورية ميشال عون للمادة 59 التي تتيح تأجيل انعقاد المجلس لمدة شهر واحد بوصفها لا تشكل انتقاصا من مدة عقد المجلس، بل لا تعدو كونها مجرد تأجيل يصار بعده إلى انعقاد المجلس بشكل عادي.

واشتعل الجدل حول صلاحيات الرئاستين، واعتبر رئيس المجلس امتناع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم فتح جلسة استثنائية لمجلس النواب نوعا من التصعيد الموجه ضده. وكانت الأجواء الصادرة عن الرئاسة الأولى تقول إن الرئيس سيبادر إلى توقيع هذا المرسوم بعد أن وقّع عليه رئيس الحكومة سعد الحريري ووجهه إليه.

وكان بري أرجأ الجلسة التشريعية، التي كان مقررا عقدها الاثنين الماضي إلى جلسة الإثنين المقبل 5 يونيو وبجدول الأعمال نفسه.

وكانت انتقادات وجهت لبري من عدة مصادر سياسية، اعتبرت أنّ دعوته إلى انعقاد المجلس في 5 يونيو، من دون دعوة رئيس البلاد إلى دورة استثنائية هي "باطلة ومخالفة للدستور".

تيار المستقبل سيكون الخاسر الأكبر في حال اعتمدت الصيغة الانتخابية المعلن عنها وتاليا فإنه لا يمكن أن يوافق عليها

ونظر رئيس الجمهورية من جهته إلى مبادرة الرئيس نبيه بري بتعيين موعد لجلسة في 5 يونيو بوصفها انتقاصا من صلاحياته، واشترط التوافق المسبق على قانون الانتخاب قبل أن يوقّع على مرسوم فتح الجلسة الاستثنائية لمجلس النواب الذي انتهت فترة دورته العادية في 30 مايو.

وتنتهي ولاية مجلس النواب في 20 يونيو المقبل، ويحق لرئيس البلاد إما فتح دورة استثنائية لمجلس النواب لإعطاء الفرقاء السياسيين فرصة للاتفاق على قانون جديد، وإما حل مجلس النواب؛ وعندها يتم إجراء الانتخابات وفقا للقانون الساري أي الستين.

وكانت المباحثات الانتخابية قد انتحت شبه توافق على اعتماد قانون النسبية على أساس 15 دائرة بعد مبادرة تقدّم بها النائب جورج عدوان وحظيت بتوافق كبير في أوساط القوى السياسية. ولكن الرئيس نبيه بري ربط موافقته التامة على اعتماد هذه الصيغة بصرف النظر عن عملية نقل المقاعد التي تطالب بها الثنائية المسيحية.

ويطالب التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية بنقل المقعد الماروني في بعلبك-الهرمل إلى بشري، ونقل المقعد الماروني في البقاع الغربي-راشيا إلى المتن، ونقل مقعد الأقليات في دائرة بيروت الثالثة إلى دائرة بيروت الأولى، ونقل المقعد الماروني في طرابلس إلى البترون.

وتستبعد التحليلات إمكانية التوافق على نقل المقاعد باستثناء المقعد الماروني في طرابلس، وذلك لأن نقل مقعد بعلبك الهرمل سيفجّر صراعا مع حزب الله، ونقل مقعدي البقاع الغربي وبيروت الثالثة سيفجّر صراعا مع سعد الحريري، في حين يمكن تحقيق التوافق على نقل مقعد طرابلس إلى البترون.

ويحقق التوافق على نقل المقعد الماروني من طرابلس إلى البترون مكاسب كبرى للثنائية المسيحية كونه يريحها كثيرا في منطقة البترون التي يترشح فيها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، كما يحد من قدرات المنافسين الأقوياء في المنطقة من قبيل النائب بطرس حرب.

سلسلسة من الاشتباكات غير المعلنة

ما وراء الاشتباكات المعلنة

تحوّل السجال فجأة من سجال سياسي إلى سجال حول صلاحيات رئيسي الجمهورية والمجلس، ولكن لا أحد يشكّ في أن هذه المعركة المعلنة بين بري وعون تخفي سلسلسة من الاشتباكات غير المعلنة.

وتختلف توصيفات هذه المعركة وقراءتها بين من ينظر إليها بوصفها امتدادا لتاريخ من الخلافات بين بري وعون، وبين من يؤكد أنها معركة فرض تمديد المجلس لمدة تتراوح بين عام وعام ونصف، كي يكون المجلس النيابي الذي ستفرزه الانتخابات التي ستجرى بعد انتهاء هذه المدة هو المقرر في موضوع انتخاب رئيس الجمهورية القادم في ظل صراع على هذا المنصب بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

ويقود هذا المناخ الرئاسي إلى نشوء تحالفات مسيحية حذرة بين قطبي الثنائية تحت عنوان إضعاف المرشح الثالث لتبوأ هذا المنصب أي النائب سليمان فرنجية، الذي أعاد التأكيد على اعتراضه على منطق الثنائية المسيحية، من بوابة تماهيه مع مواقف نبيه بري التي ترى في عملية نقل المقاعد النيابية مدخلا للتقسيم والفتنة.

وترتسم معالم غامضة للمشهد العام في لبنان في ظل التوتر الشديد الذي يسود الأجواء. وتكثر القراءات التي تعتبر أن هذا القانون لا يعبّر عن الصيغة الانتخابية المثلى التي ترضي جميع الأطراف كونه يتضمن تقزيما لحجم الدوائر الانتخابية وعدم توازن في التقسيمات الخاصة بها بحيث يحق للناخب في إحدى الدوائر انتخاب 6 نواب في حين يحق لناخب في منطقة أخرى انتخاب 11 نائبا.

وتشير التقديرات إلى أن تيار المستقبل سيكون الخاسر الأكبر في حال اعتمدت هذه الصيغة، وتاليا فإنه لا يمكن أن يوافق عليها وخصوصا أن اعتمادها سيسمح بنشوء كتل سنية متفرقة تختلف معه في الخطاب.

كذلك لا يمكن للثنائية المسيحية إذا اعتمد هذا القانون تحصيل كتلة نيابية ضخمة، حيث تعتبر البعض من التحليلات أن حجم كتلة الثنائية المسيحية لن يتجاوز في أحسن الأحوال حدود الـ42 نائبا في حين أن طموحات الثنائي المسيحي تفترض السيطرة على كتلة نيابية من 54 نائبا.

واللافت أن الصامت الأكبر أمام كل هذا المشهد يبقى حزب الله الذي ترتفع يوما بعد يوم وتيرة الحرب الأميركية الخليجية ضده، والتي استتبعت مؤخرا بحرب ضد حليفه الرئيس اللبناني ميشال عون الذي أطلقت عليه الصحافة الخليجية أوصافا غير مسبوقة، كما عملت السعودية على حجب موقع التيار الوطني الحر في المملكة.

عملية فصل المحلي عن الإقليمي والدولي والسير في معادلة عزل لبنان عن حرائق المنطقة وعن الصراعات القائمة فيها يكاد يكون أمرا مستحيلا

يقول هذا السياق إن عملية فصل المحلي عن الإقليمي والدولي والسير في معادلة عزل لبنان عن حرائق المنطقة وعن الصراعات القائمة فيها يكاد يكون أمرا مستحيلا، فما حرص حزب الله على تثبيته بعد قمة الرياض فرض على رئيس اللبناني وعلى التيار الوطني الحر التماهي التام معه في المواقف.

أنتج هذا السياق ردة فعل خليجية توازي بشكل تام بين الرئيس عون والتيار الوطني الحر وحزب الله، ويرجّح أن ينتقل هذا التصنيف السعودي إلى صفوف الإدارة الأميركية ويحكم توجه العقوبات التي ستقر على حزب الله.

وتعمل المصارف اللبنانية على استباق مفاعيل العقوبات. وتشير المعلومات إلى أنها باشرت عمليا إغلاق مجموعة من الحسابات المرتبطة بأشخاص يدورون في فلك حزب الله والتيار الوطني الحر، ومنع فتح أي حسابات جديدة لمؤيدي الحزب والتيار.

سجال دستوري أو اشتباك سياسي

يعتبر الخبير الدستوري والقانوني وزير العدل الأسبق إبراهيم نجار أن “كلمة تأجيل الواردة في نص المادة 59 لا تعني إلغاء هذه المدة من فترة انعقاد المجلس، ما يعني أن المهل تعود إلى سيرورتها الطبيعية بعد انقضاء هذه الفترة”.

ويشير نجارإلى أن الرئيس بري “قرر الإعلان عن موعد جلسة نيابية بعد أن أبلغه رئيس الحكومة أنه وقّّع مرسوم فتح دورة استثنائية وأحاله إلى رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة لم يعد هناك أمام الرئيس ميشال عون أي مبرر لعدم التوقيع على المرسوم، لذا فإن ما قام به الرئيس بري كان في محله”.

يعلن نجار أن هذا الموضوع لا يجب أن يكون محل سجال طالما يتّفق الجميع على فكرة أن رئيس الجمهورية لا بد أن يضطر إلى عقد جلسة استثنائية للتصويت على قانون الانتخاب، لذا لا يرجّح أن يتحوّل هذا الشأن إلى حالة خلافية.

ويتجنّب وزير العدل الأسبق إطلاق تحديدات قاطعة حول ما إذا كان سلوك الرئيس بري يشكل انتقاصا من صلاحيات الرئيس عون، لافتا إلى أن الموعد الذي حدّده نبيه بري للجلسة النيابية “يقع في فترة تغطيها الدورة الاستثنائية وليس الدورة العادية، ولكنه فعل ذلك انطلاقا من أولوية لا يمكن المس بها وهي منع الفراغ النيابي”.

ويضيف أن “ما عناه الرئيس بري في إشارته إلى رفض الضغط على المجلس النيابي ينطلق من عدم ربط فتح الدورة الاستثنائية بممارسة ضغوط على المجلس″.

سعد الحريري: خيارات العودة إلى قانون الستين والتمديد للمجلس النيابي تشكل فشلا عاما

ويعتبر قاسم هاشم، النائب عن كتلة التنمية والتحرير، أن موقف نبيه بري الرافض لعملية نقل المقاعد واشتراطه صرف النظر عنها نهائيا كي يصار إلى التوافق على صيغة النسبية المطروحة حاليا “يؤكد على ضرورة قيام قانون الانتخاب على أساس وطني بعيدا عن المصالح المباشرة لأي فريق، ويظهر أن حرص الرئيس بري على هذا البعد يكشف أن التوافق على قانون الانتخاب كان ممكنا منذ زمن بعيد لو تمت مراعاة هذا المنطق”.

ويلفت هاشم إلى أن المناخ الذي يرافق السجال الانتخابي حاليا يظهر ضرورة العودة إلى المنطلقات الوطنية العامة التي طالما نادى بها الرئيس بري، لأنها تضمن الحفاظ على الوحدة الوطنية والانصهار الوطني بعيدا عن أيّ اهتزازات أو محاولات لإثارة القلاقل.

وينبّه إلى خطورة مشروع نقل المقاعد النيابية لأنه “يعمل على إنتاج حالة فرز في المناطق نحن في غنى عنها الآن، كما أنه يناقض منطق اتفاق الطائف الذي يؤكد على الشراكة، والاندماج، والتفاعل في بنية الانتخابات النيابية، كي يكون المجلس النيابي مجلسا وطنيا يتشارك الجميع في إنتاجه. وإذا تم تثبيت عملية نقل المقاعد فإنه يمكن أن تبادر الطوائف والقوى السياسية الى المطالبة بعمليات نقل مماثلة، وهذا المنطق تقسيمي ويعكس بعدا خطيرا لا ينسجم مع مصلحة أحد”.

ويرد هاشم على اتهام نبيه بري بالسعي إلى ضرب التمثيل المسيحي والانتقاص من حقوق المسيحيين قائلا “من عمل على حماية المسيحيين تاريخيا هو الرئيس بري، ومن يدعي الحرص على حقوق المسيحيين إنما يبحث عن تمكين مصالح بعض المسيحيين وبعض الحزبيين المسيحيين وليس مصالح المسيحيين ككل”.

تناقض وغموض

بينما يصر رئيس الحكومة سعد الحريري على تكرار مواقف يعتبر فيها أن خيارات العودة إلى قانون الستين والتمديد للمجلس النيابي تشكل فشلا عاما لجميع القوى السياسية، يحرص الرئيس ميشال عون على إشاعة تفاؤل حذر بإمكانية التوصل إلى اتفاق قبل نهاية مدة المجلس الحالي في 20 يونيو. في المقابل تشير الأجواء التي رشحت عن الاجتماع الذي جمع مؤخرا الوزير جبران باسيل بالنائبين جورج عدوان وإبراهيم كنعان بالنية في الإبقاء على المطالبة بنقل المقاعد.

ويكشف وصف “النسبية الممسوخة” الذي أطلقته الصحافة التي تدور في فلك حزب الله على صيغة النسبية التي اقترحها عدوان عن عدم قبول حزب الله بها، كما يشير عدم تدخله لفضّ الخلاف بين حليفيه الرئيس نبيه بري والرئيس ميشيل عون إلى أن هذا المناخ المتوتر لا يزعجه في شيء ما لم يكن منسجما مع مصالحه.

وتنتشر توقعات متضاربة حول مصير العملية الانتخابية، إذ ترجّح بعض التحليلات العودة إلى الستين وإجراء الانتخابات على أساسه قبل نهاية العام الحالي، بينما تذهب بعض التحليلات إلى توقع عودة حزب الله إلى طرح قانون النسبية الكاملة على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة.

وتنظر قراءات مغايرة لواقع التوتر الكبير الذي يسود بين مختلف القوى السياسية والذي لم يكن الخلاف المعلن بين الرئيسين بري وعون سوى واجهة له بوصفه دليلا على استمرار حالة الاستعصاء السياسي والانتخابي، متوقعة أن يصار إلى التمديد للمجلس لمدة عام على الأقل مباشرة أو على مرحلتين دون التوصل إلى إقرار قانون انتخابي.

ويبدو أن طبيعة الصراع تتخذ شكل الصراع على مستقبل السلطة في البلد، فالتيارات المسيحية الأبرز تعتبر أن الصراع هو على الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، والثنائية الشيعية تنظر إليه بوصفه صراعا على مصيرها، واستمرار تحكمها بالبلد، وتيار المستقبل ينظر إليه بوصفه معركة حول دوره وحضوره في المرحلة القادمة، في ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

تهمل كل القوى اللبنانية إدارة شؤون الحاضر الذي تتفاقم أزماته على المستويات كافة بشكل يجعل كل الرهانات المعقودة حول مستقبل السلطة نوعا من مقامرة خطيرة وانتحارية الطابع، إذ أن نتائج العقم السياسي والاقتصادي الذي تتسبب به السلطات الحالية كفيل بتسريع عملية خراب البلد والقضاء على مستقبله الذي يدور الصراع حول التحكم فيه.

كاتب لبناني

6