الخلافة عند "داعش" والإخوان مشروع غير قابل للتحقيق

الأربعاء 2014/07/23
خلافة داعش تثير المخاوف من تمدد الإرهاب في المنطقة

القاهرة – ظل حلم "الخلافة" يراود فصائل إسلامية عديدة أخرى على مدار العقود الثمانية الماضية، لتغازل به تلك الجماعات والفصائل الشعوب، مُستخدمة في ذلك الخطاب الديني، الذي لم يَخل من الانحرافات المقصودة عن النهج السليم للدين.

استخدمت الفصائل الإسلامية المتشدّدة الخارجة من عباءة تنظيم الإخوان المسلمين، فكرة “استعادة الخلافة الإسلامية مُجددا”، التي دعا إليها مؤسس التنظيم الإخواني (في العام 1928) الشيخ حسن البنا، وجعلها مشروعا رئيسيا لتنظيمه الوليد، مُحددا آليات استعادتها.

مع سقوط المشروع السياسي للإخوان المسلمين عقب ثورة 30 يونيو 2013، عاد حُلم البنا ومشروعه إلى مهده مُجددا، بينما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام، الشهير اختصارا بـ”داعش”، ليرفع نفس الشعار. غير أن هذا التنظيم يمتلك أدوات وآليات مختلفة بشكل رئيسي عن أدوات وآليات الإخوان المسلمين في سعيهم الحثيث نحو الخلافة. وذهب تنظيم “داعش” إلى حد إعلان “دولة الخلافة الإسلامية” المزعومة انطلاقا من بعض الأراضي التي يتواجد بها في العراق وسوريا، ونصّب أبا بكر البغدادي “خليفة” للمسلمين.

قبل الحديث عن الفوارق بين “الخلافة الإسلامية الداعشية” والخلافة الإسلامية الإخوانية”، نتوقّف عند بعض ملامح تاريخ الخلافة الإسلامية وكيف تطورت، ليصبح هذا الشعار وسيلة في يد المتطرّفين لتبرير مجازرهم وتحقيق أهداف خاصة وأجندات محدّدة.


الخلافة الإسلامية


بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليهم وسلم) في العام 632 م (11 هـ)، توافق المسلمون على نظام الخلافة، أي أن يكون هناك خليفة للنبي على رأس دولة الإسلام واختير الصحابي أبو بكر الصديق كأول خليفة للنبي بعد وفاته. وفي ظل نظام الخلافة، تم تطوير نظام حكم كامل فيما توسعت أراضي الخلافة بشكل كبير وفي كل الاتجاهات. وكان الخليفة يحظى بوزراء وحكام معينين على الإمارات الإسلامية الممتدة.

أوضح علماء الدين انحرافات مشروع الخلافة وفق فكر سيد قطب لاسيما مع التأكيد على كون الخلافة ليست شأنا إسلاميا وليست منصوصا عليها دينيا

يعتقد مسلمون كثر أن الخلافة الإسلامية استمرت إلى أن ألغتها تركيا في أعقاب هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إذ كان السلاطين العثمانيون يحملون لقب خليفة المسلمين. إلاّ أنه يعتقد أيضا على نطاق واسع بأن النظام الأساسي للخلافة لم يستمر إلاّ حوالي ثلاثة عقود عقب وفاة النبي، وهي فترة حكم الخلفاء الراشدين الأربعة.

في الفترة التي أعقبت حكم الخلفاء الراشدين، تنازعت سلالات عدة حكم الأراضي الإسلامية الواسعة، بدءا من الأمويين في دمشق (661-750) إلى العباسيين في بغداد (750-1258)، وصولا إلى العثمانيين (1453-1924). وبالرغم من منح حكام هذه السلالات لقب خليفة، إلاّ أن نظام الحكم كان وراثيا وظل ضمن إطار السلالة، على عكس الخلافة في فترة الراشدين. وفي مارس 1924، ألغى الرئيس التركي العلماني مصطفى كمال أتاتورك نظام الخلافة من الدستور.


الدولة الإسلامية


يدعو الإسلام السياسي بشكل عام إلى حكم الشريعة كنظام حياة يشمل السياسة. واعتبر مؤسس جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر حسن البنا أن الخلافة هي رمز الوحدة الإسلامية، وأن إعادة نظام الخلافة يشكل هدفا لجماعته. في ذات السياق، شكّلت إقامة “الدولة الإسلامية” “الشعار الأكبر” بالنسبة إلى تنظيم “القاعدة” منذ هجمات 11 سبتمبر 2001. لكن هل تخلى الإخوان، في ظل فشلهم في الحكم، عن مشروع الخلافة؟ وما الفرق بينه وبين مشروع “داعش”؟

في هذا السياق، يقول سامح عيد، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية،: “هناك تطابق في الفكر بين مشروع الخلافة الإخواني ومشروع “داعش”، إذ أن الطرفين لديهما نفس الرؤية تقريبا إلى شكل الدولة الإسلامية التي يسعيان إليها، فكل منهما يدعو إلى الخلافة العامة الشاملة، انطلاقا من أفكار مؤسس التنظيم الإخواني حسن البنا، الذي دعا إلى عودة الخلافة الإسلامية وحدد آليات ذلك”.

سامح عيد: "هناك تطابق في الفكر بين مشروع الخلافة الإخواني ومشروع "داعش""

ويضيف عيد في معرض تصريحاته لـ"العرب": “فكرة الخلافة، وفق رؤية أصحابها، تُعطي للخليفة الحق في الغزو أو القتال باسم الإسلام، وهو ما يحدث حاليا في ما يتعلق بـ’داعش’”، لافتا في السياق ذاته إلى أنه لا يمكن التسليم بأن “داعش” تعد امتدادا تنظيميا للإخوان، لكن لديهما تطابق في الفكر بكل تأكيد.



مشروع الخلافة عند البنا


حدد مؤسس تنظيم الإخوان، حسن البنا، آليات مشروعه نحو استعادة الخلافة الإسلامية، وذلك في رسالته بالمؤتمر الخامس للتنظيم تحت عنوان “الإخوان المسلمون والخلافة”، قائلا: “لعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها.

وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون بأن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها. والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها، لا تدع مجالا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها، ثم ألغيت بتاتا إلى الآن.

والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم مع هذا يعتقدون بأن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات، حددها البنا في أهمية وجود تعاون تام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات، وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية، حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الاجتماع على (الإمام) الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوي الأفئدة، وظل الله في الأرض”.

أوضح علماء الدين الإسلامي انحرافات ذلك الفكر، لاسيما مع التأكيد على كون “الخلافة ليست شأنا إسلاميا”، وليست منصوصا عليها دينيا، وأن الإسلام لم يأت بنظام حُكم مُعين وفرضه على المسلمين، بل أعطى محددات رئيسية لأي نظام سياسي.

ويواصل الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد، حديثه لـ”العرب” حول ما ساقه البعض بشأن اختلاف آليات الإخوان للوصول إلى السلطة وتطبيق الخلافة الإسلامية عن آليات “داعش”، مشيرا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين وصلت إلى السلطة في مصر عن طريق “الانتخابات” بينما تنظيم “داعش” يحاول السيطرة من خلال الأعمال الإرهابية بصورة مباشرة.

وقال عيد: “ما فعله الإخوان في مصر هو من منطلق المواءمات السياسية فقط، إذ وصولوا إلى السلطة عبر الانتخابات، وبعدها كانوا يعتزمون الشروع في تطبيق الخلافة”. وحول ما إذا كان مشروع الإخوان للخلافة انتهى من عدمه، أكّد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أن “المشروع لازال قائما، مادام هناك أفراد ينتمون إلى الجماعة ويؤمنون بفكر الإخوان”.

مسألة عودة الخلافة أكبر كذبة صدقها المسلمون فلا عودة إلى الخلافة لا على أيدي القاعدة أو الإخوان


خلافة "داعش"


كان تنظيم “داعش” قد أعلن خلال شهر يونيو الماضي، قيام الخلافة الإسلامية، وبايع زعيمه أبا بكر البغدادي خليفة للمسلمين، حسب تعبير التنظيم، الذي قال على لسان المتحدث باسم التنظيم أبي محمد العدناني، في تسجيل له: “إن الدولة الإسلامية -ممثلة بأهل الحل والعقد فيها من الأعيان والقادة والأمراء ومجلس الشورى- قررت إعلان قيام الخلافة الإسلامية وتنصيب خليفة دولة المسلمين، ومبايعة الشيخ المجاهد أبي بكر البغدادي، فقبل البيعة وصار بذلك إماما وخليفة للمسلمين في كل مكان”.

وأضاف المتحدث “وعليه يلغى اسم العراق والشام من مسمى الدولة من التداولات والمعاملات الرسمية، ويقتصر على اسم الدولة الإسلامية ابتداء من هذا البيان”.

واستطرد: “ها هي راية الدولة الإسلامية، راية التوحيد عالية خفاقة مرفرفة تضرب بظلالها من حلب إلى ديالا، وباتت أسوار الطواغيت مهدمة وراياتهم مكسرة، والمسلمون أعزة والكفار أذلة وأهل السنة سادة مكرمين وأهل البدعة خاسرين، وقد كسرت الصلبان وهدمت القبور، وقد عين الولاة وكلف القضاة، وأقيمت المحاكم، ولم يبق إلا أمر واحد، حلم يعيش في أعماق كل مسلم، أمل يرفرف له كل مجاهد، ألا وهو الخلافة”.

يعلّق أحمد بان، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية على هذا الإعلان ومدى تشابهه واختلافه مع مشروع “الخلافة الإسلامية” عند الإخوان.

وأشار إلى أن آليات “داعش” لتحقيق الخلافة الإسلامية تختلف عن آليات الإخوان، إذ أن الجماعة كانت تُحاول السيطرة على دول منفردة، كما حدث في مصر، وإعلان كل دولة تسيطر عليها دولة إسلامية، ثم عمل اندماج أو اتحاد فيدرالي بين كل “الدول الإسلامية” التي تسيطر عليها الجماعة، بما يخلق شكلا من أشكال الخلافة بطريقة مختلفة، أما عن آليات “داعش” لتطبيق الخلافة، فالتنظيم يُحاول بسط هيمنته على أي بقعة وغزو الدول وإدخالها تحت راية الخلافة.

ويوضح أن تنظيم الإخوان “لم يلجأ إلى التكفير بهذا الشكل الذي لجأ إليه تنظيم داعش”.

وأكد أن مشروع الإخوان للخلافة قد تأثر سلبا بما حدث لهم في ثورة 30 يونيو 2013، إذ أن سقوط مشروع الإخوان السياسي أدى إلى ضعف التنظيم بصورة واضحة، غير أن فكرة الخلافة لم تكن مركزية لدى جماعة الإخــوان المسلمين بقدر ما هــي مركزيــة وأساسية لدى تنظــيمات أخرى.

7