الخلاف بين جهازي القضاء والأمن في تونس يعطل البت في ملفات الإرهاب

تبادل مسؤولو الجهازين القضائي والأمني في تونس انتقادات حادة بخصوص التعامل مع القضايا الإرهابية، فمن جهة تؤكد السلطات الأمنية أن القضاء لا يتعامل بجدية مع هذه القضايا إلى حدّ عدم سماع الدعاوى وإطلاق سراح المتهمين، ومن جهة أخرى تعتبر وزارة العدل أن الجهاز القضائي مستقل ويقوم بعمله ضمن القوانين والأعراف.
السبت 2015/08/08
متشددو تونس استفادوا من الخلاف بين القضاة والأمنيين للتغلغل وتنفيذ خططهم

تونس- ظهر الخلاف واضحا جليّا بين المؤسستين القضائية والأمنية في تونس عند إقدام قاضي التحقيق منذ أيام على الإفراج على 7 متهمين بالضلوع في أعمال إرهابية وقيام فرقة مكافحة الإرهاب بإيقافهم. وساهم هذا الخلاف المعلن في تعطيل سير القضايا المتعلقة بالإرهاب وإبطاء الإجراءات القانونية للحسم فيها.

وانتقد وزير الداخلية محمد ناجم الغرسلي، قرارات القضاء بخصوص ملفات الإرهاب، في تصريحات صحفية سابقة، حيث قال إن قرارات القضاء بالإفراج عن بعض المعتقلين بتهم الانتماء لجماعات إرهابية بينت الأجهزة الاستخبارتية عدم صحتها، وأثبتت ارتباط ووجود علاقات بين مَن أفرج عنهم القضاء والمنظمات الإرهابية.

وأشار وزير الداخلية إلى أن عملية إعادة إيقاف سبعة متهمين بداية الأسبوع بثكنة القرجاني تمت بموجب إذن قضائي صادر عن مساعد وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس.

وأضاف وزير الداخلية أن عملية إعادة إيقاف المتهمين قانونية، وجاءت بناء على معلومات تفيد تورطهم في مخططات إرهابية، وليست عملية اختطاف كما روّجت لها بعض المنظمات المعروفة بتأييدها الضمني للجماعات المتشددة.

واعتبر مراقبون أن غياب التنسيق بين المؤسستين أدّى إلى تباين وجهات النظر بخصوص معالجة ملف الجرائم الإرهابية، فالمؤسسة الأمنية تعتبر أن القضاء لا يتعامل بالجدية المطلوبة مع المشتبه فيهم خاصّة وأن النيابة العمومية أطلقت سراح العديد منهم ويذكر هنا الجدل المُثار حول حسام بن زيد الذي أطلق القضاء سراحه رغم تأكيد السلطات الأمنية تورطه في قضايا إرهابية منها ذبح مسؤول أمني، وبلال الشواشي الذي تحول إلى مقاتل ضمن صفوف داعش في سوريا بعد إطلاق سراحه.

في المقابل، ترفض المؤسسة القضائية تدخل السلطات الأمنية في عملها وتعتبر أن ذلك يمس من استقلاليتها باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة لتحديد ما إذا كانت تهم الإرهاب الموجهة ضدّ المشتبه فيهم ثابتة أم لا.

العشرات من المتهمين بالضلوع في أعمال إرهابية أطلق القضاء سراحهم انضموا إلى تنظيمات جهادية متطرفة خارج تونس

وتجاوزت قضايا الإرهاب المعروضة على أنظار القضاء 1400 قضية حسب مصادر إعلامية متطابقة، وهو ما تعتمده وزارة العدل كحجة لتبرير بطء سير المحاكمات حيث لم يتم النظر منذ أربع سنوات سوى في 300 قضية أحيلت على جهات قضائية متخصصة للحكم فيها.

ويقبع آلاف المتهمين في قضايا إرهابية في سجون الإيقاف دون صدور أحكام نهائية في حقهم وهو ما يمثل خطرا على بقية السجناء (سجناء الحق العام) وسهولة نشر أفكارهم والترويج لمشروعهم الجهادي، في ظل غياب تام لبرامج إعادة التأهيل والإدماج.

وأفاد بعض المراقبين بأن القضاء يسعى إلى إنهاء النظر في جميع ملفات الإرهاب العالقة، مؤكدين أن الجهاز الأمني يحيل على المحاكم ملفات تنقصها الكثير من المعطيات الضرورية مثل مكونات الإدانة.

في حين يعتبر آخرون أن الملفات المقدمة من قبل وزارة الداخلية تستوفي جميع المعطيات والشروط القانونية محمّلين المسؤولية للقضاء الذي قام في العديد من المناسبات بحفظ التهم المتعلقة بالإرهاب وعدم سماع الدعاوى.

واتفق خبراء على وجود بطء واضح في تعامل القضاء مع قضايا الإرهاب لكنهم فسّروا ذلك بحرصه على التدقيق فيها باعتبارها قضايا حساسة ومتشعبة وتفاصيلها كثيرة ومتداخلة، محذرين من إمكانية أن يكرّس هذا البطء عقلية الإفلات من العقاب وهو ما سيؤدي إلى تصاعد الأعمال الإرهابية.

الجدير بالذكر، أن الهجمات الإرهابية الأخيرة على مناطق حساسة في تونس دفعت قوات الأمن إلى تكثيف العمليات النوعية قصد تطويق الجماعات المتشددة والقضاء عليها. وتمكنت القوات الأمنية من القضاء على أبرز قادة كتيبة عقبة بن نافع وهو ما قد يعجّل بنهايتها حسب خبراء عسكريّين، في المقابل حذّر مراقبون من إمكانية ضخّ دماء جديدة في الكتيبة.

الهجمات الإرهابية الأخيرة على مناطق حساسة في تونس دفعت قوات الأمن إلى تكثيف العمليات النوعية قصد تطويق الجماعات المتشددة والقضاء عليها

هذا وصادق أمس الجمعة، الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال لدعم قوات الأمن في حربها ضد الإرهاب. وكان مجلس النواب التونسي قد وافق علي مشروع القانون منذ أسبوعين بهدف تعزيز الإجراءات لمواجهة التنظيمات الجهادية ودحر الجماعات المتشددة.

يُذكر أن الحكومة التونسية قد أحالت هذا القانون إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه بتاريخ 25 مارس الماضي، وانطلقت أربع لجان برلمانية (لجنة التشريع العام ولجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح ولجنة الحقوق والحريات ولجنة المالية والتخطيط والتنمية) في مناقشته بتاريخ 2 أبريل الماضي.

وكانت الصيغة الأولية للقانون قد عرضت لأول مرة على المجلس الوطني التأسيسي بتاريخ 28 يناير 2014، وتمت المصادقة آنذاك على قرابة 30 فصلا لكن لم يتم إتمام النظر فيه اعتبارا لمرور البلاد آنذاك بمرحلة انتخابية وتعذر مواصلة المجلس التأسيسي لأعماله. وحظي مشروع القانون بقاعدة توافقية واسعة بين مختلف مكونات الطيف السياسي تحت قبة البرلمان وبإجماع النواب من مختلف الكتل النيابية عند المصادقة عليه.

يشار إلى أن العديد من الحقوقيين والسياسيّين طالبوا بتعديل فصول عديدة من نص هـذا القانون، بما يتناسب مع الاتفاقيات الدولية، ومنها الفصل 67 الذي يعطي للقاضي سلطة تقديرية واسعة تمكنه من القيام بجلسات مغلقة وغير علنية. ورغم التحفظات المسجلة إلاّ أن قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال يعدّ آلية ناجعة ستساعد السـلطات على مقـاومة ظاهرة الإرهاب المستفحلة ودرء مخاطرها المتنامية.

2