الخلل في المفهوم

الأحد 2015/11/22

في أحد المؤتمرات التي دعيت إليها وكان موضوعها (العنف ضد المرأة والرجل)، وقد أحسست بالحماسة وآمنت أن مجتمعنا العربي يتطور بمفاهيمه لأن موضوع المؤتمر لم يقتصر على العنف ضد المرأة فقط بل العنف ضد الرجل أيضا، كما لو أنهما متساويان ولهما القيمة الإنسانية ذاتها، إذ عادة ما يرتبط مفهوم العنف بالمرأة، وقلما ارتبط بالرجل، مع أن الرجل قد يكون في حالات كثيرة ضحية. لكن سرعان ما خاب أملي وأصابني الإحباط حين بدأت أبحث في المراجع عن مفهوم العنف عند المرأة ومفهومه عند الرجل، وباختصار هذا ما توصلت إليه:

أولا: مفهوم العنف ضد المرأة هو دوما جسدي أي مرتبط بجسدها (المرأة كجسد) من ضرب وأذيات جسديه..، مع تلميح لا يكاد يُذكر للعنف اللفظي كالتعنيف والشتائم.

ثانيا: مفهوم العنف عند الرجل هو نفسي أي حين تمتنع زوجته عن القيام بواجباتها الزوجية الجنسية تجاهه، عندها يحسّ بالألم والقهر وبالتالي يصف الباحثون حالة هذا الرجل بالمُعنّف، أي أن العنف عند الرجل غير مرتبط بجسده بل بمشاعره وكرامته وروحه. كما لو أن المرأة لا تملك مشاعر وغرائز! لماذا لا تُعتبر المرأة التي يُهملها زوجها ولا يقوم بواجباته الزوجية تجاهها مُعنّفة! أليس هجر الزوجة نوعا من العنف والعقاب (واهجروهن في المضاجع) كما جاء في القرآن الكريم.

لماذا لا تُعتبر الزوجة الثانية حالة عنف ضد الزوجة الأولى؟ أيّ ألم وإهانة لكرامة المرأة أن يهجرها زوجها من أجل زوجه ثانية أو ثالثة وربما رابعة، من يتخيل ذلّ الحرمان الجنسي والعاطفي والإنساني الذي تعانيه أولئك النسوة، لأن الجسد والروح كما قال جبران خليل جبران: الجسد مكان حضور الروح، أي لا يمكن فصل المشكلة إلى مشكلة جسدية ومشكلة نفسية وأن يتم تعريف العنف ضد المرأة على أنه عنف جسدي فقط مع الإهمال اللاأخلاقي والمُتعمد لكرامتها الإنسانية ومشاعرها وغرائزها المساوية تماما لغرائز الرجل كما أثبت العلم، كما لا يُمكن اعتبار الرجل المُعنّف هو الذي يتعرض نفسيا للهجر من قبل زوجته ورفضها القيام بواجباتها الزوجية.

أثبت العلم أن المرأة والرجل متساويان تماما من الناحية العقلية والغرائزية، أي أن ذكاء المرأة مساو لذكاء الرجل وتلافيف دماغها مساوية لتلافيف دماغه، وأثبت العلم أن غريزة المرأة مساوية تماما لغريزة الرجل، مع أن هناك مفهوما خاطئا -يُصر عليه البعض لغايات شخصية- يقول إن غريزة الرجل أقوى. بل أثبت العلم الحديث أن أزمة منتصف العمر يعاني منها الرجال أكثر بكثير من النساء بسبب الانخفاض الواضح لهورمون الذكورة التستوستيرون مما يدفع رجال منتصف العمر إلى البحث اللاهث عن علاقات عاطفية مع فتيات يصغرنهم بعشرين عاما على الأقل كي يثبت الرجل، أو يوهم، لنفسه أنه ما زال شابا.

ما يهمني هنا أن التطور الحقيقي في المجتمعات العربية يجب أن يبدأ أولا من العقل ومن الفكرة، من تحديد المفاهيم، لأن أفكارنا تُملي علينا تصرفاتنا وقيمنا، وطالما هنالك خلل في مفهوم العنف عند الرجل والمرأة فسيظل الشرخ قائما بينهما، لأن العنف ضد المرأة جسدي ونفسي أيضا، حتى أن بعض المُجتمعات المُتحضرة تعتبر أن تلقّي امرأة لرسالة مسيئة على هاتفها الخليوي عنفا، أما في مجتمعنا العربي فيجب أن تتكسر عظامها لنقول أنها تتعرض للعنف!

وما يحزنني حقا أن معظم الأبحاث أو البرامج التلفزيونية التي تناقش ظاهرة العنف ضد المرأة تركز على الأذى الجسدي الذي تتعرض له، وهي بالغة الأهمية بالتأكيد، لكن هذا يسجن المرأة بكونها جسدا فقط. أليست الزوجة الثانية عنفا ضد الزوجة الأولى! حين يهجر الرجل زوجته من دون سبب ويتزوج بأخرى، هل يتخيل الناس أيّ إهانة نفسية وكيانية تتعرض لها الزوجة الأولى والتي لا تجد الجرأة لتشكو وتعترض لأن قوانين الأحوال الشخصية في مصلحة الرجل ولأنه هو من يسنّ القوانين. وبعد فإن أيّ ممارسة أو أسلوب في تربية الأولاد على أساس ذكر وأنثى مرتبط أساسا بالمفهوم.

أتمنى لو يتوحد مفهوم العنف عند الرجل والمرأة كي يزول الشرخ بينهما. وكي يشعرا أنهما متساويان في القيمة الإنسانية رغم الخلاف الفيزيولوجي بينهما.

21