الخلود المعلوماتي أم الخلود بالحب

المعلومات التي يختزنها الدماغ البشري قابلة للخلود الرقمي، إذ نجح العلماء في عملية نقل المعلومات من دماغ إنسان حي وخزنوها في عقل روبوت.
الأربعاء 2018/03/28
عصر الخلود المعلوماتي يبشر بإمكانات مذهلة

منذ بدء الوجود البشري على الأرض، شغلت قضية الموت والخلود العقل الإنساني وأربكته وتسببت له بالحيرة الدائمة، فكانت أفعى الموت تتربّص بالحياة في كل آونة وتهدّدها.
قرأت يوما قصة قصيرة للكاتب الأميركي شيروود أندرسون بعنوان كأنه المفارقة “صديقنا القديم- الجديد: الموت”، يرى أندرسون فيها أن الترياق الناجع للتعامل مع محنة الموت الضاغطة على حياتنا كل حين يكمن في جزئيتين: أن نديم عوامل الحب وهيجاناته التي تنعش الأرواح الراكدة لنضمن سبات الأفعى إلى أطول مدى ممكن، وأن نعيد تشكيل تصوراتنا عن الموت الذي يغيبنا عن الأحباب ورفقاء الروح.
فلماذا لا يكون الموت محض استحالة فيزيائية لا تقوى على الوقوف بوجه الحب الخالص الذي يظل عصيا على كل عوامل الاندثار والبلى؟ فالحب الخالص قوة جوهرية تغالب الموت وتستعصي عليه ولن تتمكن ألف أفعى من أن تبتلع الحب وتغيبه في دهاليز الخواء، الحب المنبثق من روح متوهجة هو الترياق المهدئ للنفوس القلقة المرتعبة من مخالب الموت.
وقال عالم الفيزياء نوربرت واينر بأن عالمنا يقوم على ثلاثة مكونات: المادة والطاقة والمعلومات، وأن الأكثر ثباتا بينها هو المعلومات، وفي عام 1948 قدّم واينر ثورته العلمية حول “السايبرنيتكا” للتحكم بالآلة والأجسام الحية، وفي الوقت ذاته قدّم زميله عالم الرياضيات كلود شانون نظرية ثورية أخرى حول معالجة المعلومات بناء على فكرة الأنُثروبيا، أي مقياس العشوائية، وقال “إن ازدياد محتوى المعلومات يرتبط  بنقصان الأنثروبيا؛ فكلما حصلنا على  محتوى معلومات أكثر عن شيء تناقصت مجهوليته بالنسبة إلينا”.
وها قد أتى اليوم الذي أصبح فيه مفهوم الخلود المعلوماتي ممكنا؛ فالمعلومات التي يختزنها الدماغ البشري قابلة للخلود الرقمي، إذ نجح العلماء حاليا في عملية نقل المعلومات من دماغ إنسان حي وخزنوها في عقل روبوت، واستطاعت المرأة الحية -التي نقلوا المعلومات منها إلى الروبوت- أن تتحاور مع روبوتها البديل وتتبادل معه المعلومات والذكريات، وكأنه توأمها الخالد الذي سيبقى محتفظا بالمعلومات والذكريات كخزين لا يفنى بعد موتها.
وبهذا نبدأ عصرا جديدا هو عصر الخلود المعلوماتي الذي يبشر بإمكانات مذهلة يستطيع العلماء عبرها الاحتفاظ  بذكرياتنا وأشواقنا وتعلقاتنا وأفكارنا ما دمنا أحياء وينقلها إلى منظومة العقل الروبوتي الرقمية، ويستطيع الشخص الذي يهمه أمرنا أن يتعامل مع ذكرياتنا وأفكارنا ونزوعاتنا وكأننا ما زلنا على قيد الحياة، إنما هي حياة معلوماتية رقمية مخزّنة في روبوت ناطق قادر على التفاعل مع الأحياء.
ويعقب العلماء المشرفون على المشروع بأن هذا الإنجاز سيبقى حبيس المختبرات لأمد طويل حتى يتمكنوا من الحصول على أكبر قدر من المعلومات من الدماغ البشري، ولن يكون بوسع العشاق والمحققين الاستفادة منه.
لو كان جلجامش بطل أول الملاحم الخالدة في العالم يعيش في العصر الرقمي لما أصابه الجزع ولما انشغل بالتفكر الوجودي في شأن الموت والحياة عندما مات صديقه أنكيدو، ولما تجشّم عناء الترحل في مياه بحر الموت بحثا عن عشبة الخلود في أعماق الماء، ولكنه ما إن عثر عليها -كما تخبرنا فصول الملحمة- حتى سرقتها الأفعى واستأثرت بالخلود لنفسها، وتركت البشر يؤاخون الموت ويصارعونه ويرفضونه ويحاولون تحقيق خلودهم عبر الحب والإبداع  الفني والأدبي، وهم  يعلمون أن صراع إيروس إله الحب مع إله الموت ثاناتوس يمثل صراعهم الأبدي في الوجود.

14