"الخلية" منظومة جديدة لفيلم تجاري بمواصفات عالمية

اتجاه السينما لمعالجة قضايا الإرهاب في مصر أخذ مسارات متعددة، مباشرة وغير مباشرة، وجميعها كانت محلّ اتهام ومجاملة رجال الأمن والتشديد على تضحياتهم الخارقة في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وقلة كانت صاحبة استشراف ورؤية موضوعية، من بينها فيلم “الخلية” الذي يعرض بدور العرض في مصر والبعض من الدول العربية.
الجمعة 2017/10/13
أحمد عز في أحسن حالاته التمثيلية

القاهرة- اتخذ صنّاع الفيلم في مصر طريقا مغايرة للمعتاد في معالجة السينما لقضية الإرهاب، ولعل الحدث الأبرز في هذا العمل قدرته على تقديم حالة فنية مختلفة -من حيث الصورة والتفاصيل- عن المعتاد في تقديم مثل هذه القضايا، وإن لم يخلُ من الطابع التجاري لجذب الجمهور.

فيلم “الخلية” بطولة أحمد عز وأمينة خليل ومحمد ممدوح والسوري سامر المصري، طرح مؤخرا، ونجح في تصدّر المشهد وتحقيق إيرادات مرتفعة، وهو ما يعود إلى كونه عملا يجمع بين مقومات الحركة والكوميديا والرومانسية، مغلّفا بحس وطني نابع من رصد دقيق للإرهاب الذي أصبح أكثر خطورة في العالم.

وتبدأ الأحداث من مشهد مستوحى من حادث اغتيال النائب العام المصري هشام بركات الذي وقع قبل عامين في القاهرة، وتستعد قوات الشرطة لاقتحام الخلية الإرهابية التي خططت للعملية، والمتابع لتقديم هذه النوعية من دراما الأكشن والمطاردات في أعمال سابقة تناولت قضية الإرهاب، يجد قدرا من السطحية التي لا تظهر قيمة لمثل هذه اللقطات في ذاكرة المشاهد.

الإرهاب بات قضية محورية في السينما المصرية، لكن معالجته لا تزال بحاجة لقدر كبير من الموضوعية والعمق

مطاردات وأحداث

في فيلم “الخلية” يجسّد مخرج العمل طارق العريان مشهد اقتحام قوات الشرطة للخلية الإرهابية بعناية فائقة، يبدأ بتدريبات الضباط ثم استعداداتهم وسط ضحكاتهم وأحاديثهم كدليل على الثقة، مرورا بمشهد عمرو الذي استشهد وهو يوصي صديقه سيف بأسرته خيرا وعدم الحزن عليه بعد رحيله، ويستكمل المشهد بوصول رجال الشرطة وتصوير بطيء لعملية الاقتحام ثم مطاردة العناصر الإرهابية، وكيف يمكن أن ينحي الضابط حزنه جانبا ويقف مواصلا مهمته حتى يصاب إصابة بالغة.

الأحداث الأولى للفيلم قبل استشهاد الضابط عمرو مهّدت لذلك ضمن مقتطفات سريعة لعلاقة سيف وعمرو، وأخيرا محمد الذي يلعب دوره الفنان محمد ممدوح ويعمل ضمن فريق البحث والمعلومات بوزارة الداخلية المصرية، من حيث مدى الترابط العائلي.

ومع ذلك لم يغفل المخرج طارق العريان عن إظهار مدى التفاوت في سياسة العمل لدى كل طرف منهم، خصوصا بعد إلحاح سيف على العمل مع محمد للحصول على معلومات عن الخلية الإرهابية التي غدرت بصاحبه.

كما لم يغفل المؤلف صلاح الجهيني في تصميم العلاقة بين الأصدقاء عن إبراز طريقة عمل كل شخص، والتمييز بين الشخص الجريء الذي يريد الوصول إلى المعلومة بأي طريقة مثل سيف والبطيء الروتيني الذي يريد الحفاظ على قواعد العمل كما هي مجسدة في شخصية محمد، لتقديم رؤية أقرب إلى الواقع مع إعطاء مساحة وفيرة لرصد طبيعة العلاقة التي تخللتها أيضا بعض المواقف الكوميدية، كمشهد مطاردة رجل له علاقة بقضية التحقيق التي يعملان عليها، وفيه تتهشم السيارة ويكمل سيف ومحمد المطاردة.

هذا المشهد يستهلك ما يقرب من عشر دقائق على الشاشة من مشاهد الأكشن التي تخللتها لقطات استعرض فيها المخرج براعته في تقديم مشاهد المطاردة والإثارة التي اتخذت طابعا أميركيا.

جمالية الصورة أنقذت القصة من الترهل

ورغم أن المخرج طارق العريان رصد العلاقة بين ضابط الشرطة والمجرم لصالح الأخير في فيلمي “تيتو” و”ولاد رزق” اللذين ظهر فيهما فساد رجال الشرطة وتواطئهم، فإنه أراد تصحيح المسار في “الخلية” من خلال إظهار البطولة الوطنية لرجل الشرطة وما تبعها من جانب إنساني وفكاهي.

وسط القاهرة

يبدو أن منطقة وسط القاهرة أصبحت منطلقا لهذه النوعية من الأفلام التي تعالج قضية الإرهاب، ربما لأنها المكان الذي شهد انطلاق أحداث سياسية مهمة وقعت في مصر خلال السنوات الماضية، أبرزها أحداث ثورتي يناير 2011، ويونيو 2013، ويظهر ذلك من خلال مسكن البطل سيف المطل على ميدان مصطفى كامل بوسط القاهرة، ومن قبل ظهر الفنان محمد رمضان في فيلمه “جواب اعتقال” في شقته بميدان التحرير.

واستدعى مؤلف العمل صلاح الجهيني في تجربته الثانية مع طارق العريان بعد فيلمهما “ولاد رزق” قصة درامية لبطلة العمل أمينة خليل التي يقع في حبها سيف دون وجود إلزام لها، وتسرد في أحد المشاهد إصابتها السابقة بمرض السرطان وقدرتها على التعافي منه، والمشهد تم إقحامه لإظهار مدى القوة والنجاح اللذين يمكن أن يحققهما الشخص مهما كانت ظروفه القاسية، وربما كان للمشهد جدوى أكبر في النصف الأول من الأحداث التي شهدت تأزم سيف بعد وفاة صديقه.

ويستحضر أحمد عز في هذا العمل لياقته البدنية التي استعد لها بالمزيد من التدريبات، ما أهّله لتقديم مشاهد الحركة بخفة وسهولة على الشاشة، ويستكمل ذلك ببراعة طارق العريان في تنفيذ هذه النوعية من المشاهد، وتفوّق البطل مع مخرجه في مشهد النهاية الذي يقومان فيه بالمزيد من مشاهد المطاردات والإثارة خلال عملية إنقاذ الضابط لمواطنين من عملية إرهابية كبيرة في مترو الأنفاق.

فيلم “الخلية” ربما تنقصه حبكة القصة لكنه يبقى عملا ناجحا على مستويات عدة، أبرزها تصوير مازن المتجوّل الذي يكشف الجهد الكبير الذي قام به في معاينة أماكن مشاهد الحركة، والمرور عبر شوارع ودروب ضيقة ومزدحمة، لكن حتى هذه اللحظة ما زالت السينما المصرية تناقش قضية الإرهاب بصورة أقرب إلى النمطية.

16